يُشنّع على الفيلسوف يعقوب الكندي اشتغاله بعلوم الفلاسفة، و يُغري به العوام [1] . و عندما حوكم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب و أحرقت كتبه، جُمعت العامة لحضور محاكمته، فكانت تصيح بلعنه حتى تعدّى اللعن إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني [2] .
و يُروى أن زنديقا متفلسفا ناظر فقيها في حضرة حامي الفلاسفة ملك بلاد الروم: ركن الدين بن أرسلان (ت 600 ه) ، فأظهر الزنديق شيئا من اعتقاد الفلاسفة، فقام إليه الفقيه و لطمه و شتمه ثم خرج، و الملك ساكت لم يتكلم؛ فقال له الزنديق: يجري علي مثل هذا في حضرتك و لا تنكره! فقال الملك: لو تكلّمت لقتلنا جميعا، و لا يمكن إظهار ما تريده أنت [3] .
فإن صح هذا الخبر، فهذا يعني أن الملك كان يخاف من رد فعل الناس إن هو تعرّض للفقيه بأي أذى. و بمعنى آخر أنه كان من وراء الفقيه رأي عام شعبي، مؤثر و فعّال اعتمد عليه في تصديه للزنديق المتفلسف في حضرة حاميه الملك ركن الدين.
و أما في المغرب الإسلامي، و الأندلس تحديدا، فقد كان فيها للعوام نفوذ و سطوة في التصدي للفلسفة و أهلها، فرُوي أن الفلاسفة كانوا يخفون اشتغالهم بالفلسفة و حبهم لها خوفا من العامة، التي كانت إذا قيل لها فلان: (( يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم، أطلقت عليه اسم زنديق، و قيّدت أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرّقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقرّبا لقلوب العامة، و كثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا
(1) ابن النديم: الفهرست، ج 1 ص: 386.
(2) ابن رجب: الذيل، ج 2 ص: 72.
(3) ابن الأثير: الكامل، ج 10 ص: 292.