و آخرهم -أي الخامس- الفيلسوف القاضي رفيع الدين عبد العزيز الجيلي (ت 642 ه) ، كان فاسد العقيدة و السلوك، تولى قضاء مدينتي بعلبك و دمشق، فساءت سيرته في الرعية، فأمر ملك دمشق الصالح إسماعيل بسجنه و قتله [1] . و ذكر الذهبي أن هذا الرجل قُتل لسوء سيرته و ليس لسوء عقيدته على ما يظهر [2] . لكنه يبدو لي أنه قتُل لسببين رئيسيين، أولهما سوء سيرته و ظلمه للرعية. و ثانيهما اختلافه مع صديقه الوزير أمين الدين بن غزال، مما جعل كل منهما يسعى للإيقاع بالآخر، فتمكن الوزير من إهلاك الرفيع بالتواطؤ مع الملك إسماعيل [3] .
و أما الفلاسفة الذين استبيحت دماؤهم و لم يُقتلوا، فمنهم المتفلسف الدهري احمد بن يحيى الرواندي الزنديق (ت 298 ه) ، كان فاسد العقيدة يقول بقدم العالم و إنكار الخالق، و يطعن في القرآن الكريم، طلبه السلطان فاختفى عند ابن لاوي اليهودي، ثم لم يلبث أن مرض و مات. و قد تعجّب المتكلم ابن عقيل البغدادي (ت 513 ه) من عدم قتله، و قد كان يطعن في القرآن و الأنبياء. و مع ذلك فقد روى جماعة أن ابن الرواندي هذا قد تاب عند موته [4] ،و الله أعلم بحقيقة أمره و مصيره.
و الثاني هو الشاعر المتفلسف المتهتك ابن هانئ الأندلسي (ت 362 ه) ، كان منغمسا في الملذات و المحرمات، مُتهما باعتقاد دين الفلاسفة، طُلب ليُقتل فهرب إلى مدينة القيروان و التحق بالفاطميين [5] .
(1) ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 7 ص: 372 - 373.
(2) السيّر، ج 23 ص: 111.
(3) ابن العماد: المصدر السابق، ج 7 ص: 373.
(4) الذهبي: السيّر، ج 14 ص: 60، 61.
(5) الذهبي: العبر، ج 2 ص: 334 - 335.