ذلك أن حالتهم المعنوية كانت في غاية الجهالة و الضلالة، فقدوا خلالها أسباب الهداية كلها، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من أمور صحيحة، فكان ذلك سببا في رجوع كثير منهم عن بعض باطلهم، دون أن يحصل لهم حق ينفعهم، و إنما وقعوا في باطل آخر [1] .
و أما القائلون بوجوبه -أي المنطق - فهم من غلاة المنطق و جهال أصحابه، و إلا فإن حُذاقه منهم لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم، بل يُعرضون عنها لطولها، أو لعدم فائدتها، أو لفسادها، أو لعدم تميّزها و ما فيها من الإجمال و الاشتباه، فإن فيه مواضع كثيرة لا أهمية لها. و من قال منهم بوجوبه شرعا، فقد أُتي من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق، فاحتاج إلى الباطل [2] .
و رد -أي ابن تيمية- على من زعم بأن منطق اليونان فرض كفاية، أو أنه من شروط الاجتهاد، بأن قوله هذا هو في غاية الفساد، و لا يصح نسبة وجوبه لشريعة الإسلام بوجه من الوجوه، و يدل أيضا على جهل صاحبه بالشرع و المنطق معا، و فساده معلوم بالضرورة من دين الإسلام، و ذلك أن أفضل الأمة من الصحابة و التابعين و أئمة المسلمين، عرفوا ما يجب عليهم، و يكمل دينهم و إيمانهم، قبل تعريب منطق اليونان، فكيف يقال إذن إنه لا يُوثق بعلم لم يُوزن بالمنطق [3] ؟!.
و ختاما لما ذكرناه عن ابن تيمية، أشير هنا إلى ثلاثة فوائد، أولها أن لابن تيمية انتقادات و مناقشات مطوّلة للمنطق و رجاله، لم أعثر على مثلها في
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 6، 7.
(2) نفسه، ج 9 ص: 6، 7.
(3) نفس المصدر، ج 9 ص: 6، 7، 172.