و شرعا، فأما عقلا فإن جميع بني آدم حرروا علومهم دون منطق اليونان، و أما شرعا فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الله تعالى لم يوُجب تعلم منطق اليونان على أهل العلم و الإيمان [1] .
و الأعجب من ذلك أنه - أي الغزالي - صنّف في المنطق كتاب القسطاس المستقيم، و نسبه إلى تعليم الأنبياء، في حين هو - أي الغزالي - تعلّمه من ابن سينا، الذي هو بدوره أخذه من كتب أرسطو [2] . ثم قال ابن تيمية أن مع تعظيم الغزالي للمنطق و مبالغته في ذلك لم يحصل له منه مطلوبه، و لا أزال عنه شكوكه و حيرته، و ظل متوقفا حائرا في أعظم المطالب الإلهية العالية، و المطالب الربانية السامية، و لم يغن عنه المنطق شيئا، و مات و هو يشتغل بصحيحي البخاري و مسلم [3] .
و أكرر هنا أنه من الأرجح أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قد غيّر موقفه من المنطق الأرسطي، بعدما خرج من مرحلة الشك و الحيرة، و ما إقدامه على الرد على الفلاسفة إلا دليل على ذلك، فهو قد بدّعهم في 17 مسالة، و كفّرهم في ثلاث مسائل، كما معروف عنه. فلو كان ما يزال على موقفه من المنطق فلا معنى للرد عليهم، لأن المنطق عاصم من الخطأ، فسيعصمهم منه و يجعل فلسفتهم موثوقا فيها. لكن بما أنه رد عليهم و ضلّلهم و كفّرهم، فهذا يعني أنه غّير موقفه من المنطق، الذي لم يعصم أصحابه من الضلال و الكفر، و إلا فلا معنى لرده عليهم.
و أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية، مبالغة بعض المناطقة المسلمين في تعظيم المنطق، و قولهم بأنه فرض كفاية، إلى أحوالهم النفسية و الفكرية الباطنية، و
(1) العقيدة الأصفهانية، ج 1 ص: 170.و مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 269 - 270.
(2) ابن تيمية: الرد على المنطقيين، ص: 15.
(3) نفس المصدر، ص: 198.