ثم قال أنه لا يوجد من أهل الأرض من حقق علما من العلوم و صار فيه إماما بالاعتماد على صناعة المنطق، لا في العلوم الدينية و لا في غيرها من العلوم، كالطب و الحساب مثلا. كما أن كبار العلماء في العصر الإسلامي صنفوا كتبا كثيرة في علوم الشريعة و اللغة و النحو و علم الكلام، و لم يكن لهم التفات لمنطق اليونان، بل عامتهم كانوا قبل ترجمته إلى اللغة العربية؛ و مع ذلك بلغوا الغاية في تحقيق العلوم و كمالها، فكانوا أعمق الناس علما، و أقلهم تكلفا، و أبرهم قلوبا. لكن أهل المنطق ثبت بالاستقراء أنهم أكثر الناس شكا و اضطرابا، و أقلهم علما و تحقيقا، و أبعدهم عن تحقيق علم موزون، و إن حقق بعضهم شيئا من العلم فمرده لصحة المادة و الأدلة التي يُنظر فيها، و صحة ذهنه و إدراكه، و ليس لأجل المنطق [1] .
ثم قال: إن المناطقة هم من أجهل أهل الأرض بالطرق التي تُنال بها العلوم العقلية و الشرعية، إلا من علم منهم علما من غير طرقهم المنطقية، فتكون علومه من تلك الجهة، لا من طريق المنطق؛ الذي فيه كثرة التعب في البرهان، و ضيق العلم و البيان، و العجز في التصّور و التعبير. و من كان منهم ذكيا و سلك طريقهم، طوّل و ضيّق و تكلّف و تعسّف، و غايته بيان البيّن، و إيضاح الواضح، و قد يُوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عُفي منها من لم يسلك مسلكهم [2] .
و يرى ابن تيمية في إدخال الغزالي للمنطق في العلوم الشرعية، أنه بدعة عظُم شؤمها على المتفقهة حتى كثُر فيهم المتفلسفة. كما أن قوله عن المنطق بأنه معيار للعلم و من لم يحط به فلا ثقة له بشيء من علومه، فهو غلط عظيم عقلا
(1) نفس المصدر، ج 9 ص: 24.
(2) نفس المصدر، ج 9 ص: 114، 158.