قال الباحث سامي النشار: أنه -أي الغزالي - ربما يكون غيّر موقفه من المنطق بعدما تبين له التناقض بين الروحّين الإسلامية و اليونانية، و بعد تركه لعلم الكلام و الفلسفة، و إقباله على طريق المعرفة الصوفية [1] .
و ثالثا إن الزعم بأن علوم الشريعة تتوقف على منطق اليونان، و أنه من أهم آلاتها، فهو زعم باطل من أساسه، لأن دين الإسلام دين كامل، ظهرت علومه بظهوره، فأقبل عليها المسلمون دراسة و تدريسا، تقعيدا و تدوينا، منذ القرن الأول إلى القرن الثالث الهجري و ما بعده، و لم يكن لهم أي اتصال بمنطق اليونان. و هذا يثبت أنهم لم يكونوا في حاجة إليه البتة، و أن إدخاله في العلوم الشرعية هو خطأ فادح، و انهزامية و سلبية لا مبرر صحيح لها من الشرع، و لا من العقل، و لا من التاريخ، و لا من الواقع. كما أنه إخراج للعقل المسلم من منطقه الفطري الشرعي الطبيعي الواسع، إلى منطق اليونان المشائي العقيم، و الضيق المُعوج المعوّق للفكر، و المُذهب للأوقات و الجهود، و المُتعب للأذهان و الأبدان.
و أما المعارضون للمنطق الأرسطي المشائي من السنيين، فسأذكر منهم ستة علماء، أولهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح [ق:7 ه] ، حرّم الاشتغال بالمنطق، و أنكر على أبي حامد الغزالي زعمه أن المنطق هو مقدمة العلوم كلها، و من لم يُحط به فلا ثقة له بمعلوم أصلا؛ و ردّ عليه بقوله: و هذا مردود،
(1) سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، بيروت دار النهضة العربية، 1984 ص: 179، 180، 355.