و آخرهم -أي الثامن - صديق حسن خان القنوجي (ت 1307 ه) ، ذكر أن المنطق أخذ من المتأخرين أوقاتا كثيرة، و أبعدهم عن التعامل المباشر مع الكتاب و السنة. لكنه عاد و أوصى بمطالعة كتب المنطق من مختصرات و مطولات، و زعم أن المنطق أصبح من أهم آلات العلوم في الحلال و الحرام، و عليه تتوقف كثير من المعارف [1] .
و تعقيبا عل هؤلاء أقول: أولا إن الزعم بأن المنطق الأرسطي هو معيار العلم و قانونه، و أنه عاصم للذهن من الخطأ، هو قول غير صحيح، لأن أهله هم من أكثر الناس خطأ و اختلافا، و لم يعصمهم منطقهم من ذلك. و لأن الناس قد عرفوا العلم و برعوا فيه دون منطق اليونان، قبل أرسطو و بعده. و حتى أرسطو ذاته جاء منطقه ثمرة للمنطق الفطري الطبيعي و ليس العكس، و بمعنى آخر أن منطقه جاء ثمرة لعلمه، و لم يكن علمه ثمرة لمنطقه. و علومنا الحديثة الطبيعية و الإنسانية شاهدة على ما نقول، فهي تقوم كلها على المنطق الاستقرائي التجريبي، و لا مكان فيها لمنطق اليونان.
و ثانيا أنه من الغريب جدا أن بعض كبار علماء أهل السنة، كابن حزم و أبي حامد الغزالي، قد بالغوا في تعظيم المنطق المشائي تعظيما لا مبرر له شرعا و لا عقلا، و لا تاريخا و لا واقعا. و يبدو لي أن هؤلاء ربما قالوا ذلك في مرحلة من مراحل حياتهم العلمية الأولى، كانوا فيها في حالة قلق و شك، و انبهار بالفلسفة اليونانية، ثم غيروا موقفهم منه. و هذا ما ذكره الذهبي عن ابن حزم من أنه تعاطى المنطق، ثم أعرض عنه و أقبل على علوم الإسلام [2] . و عن الغزالي
(1) أبجد العلوم، ج 2 ص: 549.
(2) تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1148.