تقويم كل ذهن. و آلة في تحصيل العلوم الكسبية النظرية و العملية، لذا سماه الفارابي رئيس العلوم، و سماه ابن سينا خادم العلوم، و سماه الغزالي معيار العلم. ثم أيد من قال: إن صنفين من الناس يستغنيان عن المنطق، الأول المؤيد بنور الله، و الثاني من علمه ضروري، و أما ما عداهما من أصناف الناس فيحتاجون للمنطق الأرسطي [1] .
و يُلاحظ عليه أنه لم يُفرّق بين المنطق الطبيعي الفطري في الإنسان، و بين المنطق الأرسطي المشائي الصوري، الذي كان سائدا في زمانه بين كثير من أهل العلم؛ فإذا قصد بقوله المنطق الأول، فهو كلام صحيح إلى حد كبير، و أما إذا قصد به منطق أرسطو و هو الأرجح، فهو زعم باطل تنقضه حقائق التاريخ و الشرع، و الواقع و العلم، و هذا ما سنبينه في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
و أما زعمه أن كل الناس يحتاجون للمنطق ما عدا صنفان منهم فقط، فهو الآخر كلام باطل من أساسه، و الصواب هو أن كل الناس الأسوياء مستغنون عن منطق اليونان، و لا تتوقف عليه حياتهم العلمية و لا العملية، بدليل أن أهل العلم في زماننا يُقدرون بالملايين، و لم يتوقف علمهم على العلم بالمنطق الأرسطي، بل توقف على الجهل به، لأنه من المعروف أن معظمهم لا يهتم به و لا يبالي به و أكثرهم لا يفهمونه. و هذا المنطق لا مكانة له اليوم بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية، و لا الاجتماعية و الإنسانية، إلا في مجال محدود للغاية تدرسه أقسام الفلسفة و أصول الدين كوحدة تاريخية ميتة مُقررة على الطلبة.
(1) حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 1 ص: 46، ج 2 ص: 1862.