له دينه و يقينه. ثم قال: (( و لقد شرّف الله الإسلام و أوضح حججه، و قطع العذر بالأدلة، و ما مثل من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة و الآراء المنطقية، إلا كمن يغسل الثوب بالبول ) ) [1] .
و نحن نتساءل: ما هي الأسباب التي أدت بالفلاسفة المسلمين المشائين إلى السعي للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان و المزج بينهما؟.و ما هي أهدافهم من ذلك؟ يبدو لي أن هناك أربعة أسباب أساسية متداخلة أدت بهؤلاء إلى سلوك ذلك المسلك، و هي قد تصدق عليهم كلهم أو على بعضهم. أولها انبهارهم بالفلسفة اليونانية و سلبيتهم تجاهها، دفعاهم إلى إرجاع كل شيء إلى تلك الفلسفة بما فيها دين الإسلام.
و ثانيها ضعف إيمانهم بدينهم جعلهم يبحثون له عن مؤيدات و دلائل من خارجه لتدعيم و تقوية إيمانهم به، فوجدوها -حسب اعتقادهم - في الفلسفة اليونانية.
و ثالثها غياب البديل الشرعي العلمي المفصل الواضح المتوفر، الذي يجمع بين صحيح المنقول و صريح المعقول من جهة، و بين حقائق العلم الثابتة و النقد العلمي الصحيح الشامل لفلسفة اليونان من جهة أخرى [2] .
و رابعها إن بعضهم لم يكن يؤمن بالإسلام أصلا، لكن ضروريات الحياة و خوفه من المسلمين و السلطان جعله يُظهر إيمانه بالشريعة و الفلسفة اليونانية عن طريق زعمه الجمع بينهما، و لم يبال بالتناقضات التي وقع فيها. لذلك وجدنا
(1) ميزان الاعتدال، ج 5 ص: 173، 174.و تذكرة الحفاظ، ج 1 ص: 205.و السيّر، ج 19 ص: 495.
(2) حقق الشيخ تقي الدين ابن تيمية كثيرا من ذلك، لكن عمله جاء متأخرا (القرن:8 ه) ، و لم يجد قبولا كبيرا لدى طوائف أهل السنة، بسبب التعصب المذهبي الذي كان بينهم.