و أشير هنا إلى أن بعض الفلاسفة المشائين لم يقولوا بالجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية، و إنما سعوا إلى تكريس الفلسفة و إبعاد الشريعة نهائيا، على رأسهم وزير هولاكو نصير الدين الطوسي (ت 672 ه) ، فإنه رفع -في دولة المغول - مبدأ تكريس معارضة العقل للشرع باسم الفلسفة المشائية، و سعى إلى إبطال الشريعة و إحلال محلها فلسفة أرسطو و شيعته، و زعم أن فلسفته عقليات قطعية برهانية تعارض النقليات الخطابية [1] .
و كلامه هذا باطل و لعب بالألفاظ، لأن كلام الله تعالى حق بذاته، و كلام المشائين و غيرهم من الناس، هو الكلام الخِطابي المبني على الأهواء و الظنون و السفسطات الجدلية، و الاحتمالات النظرية. لكنه -أي الطوسي - مع ذلك كان صريحا مع نفسه منطقيا معها، أدرك أن فلسفة المشائين لا يمكن الجمع بينها و بين شريعة الله، فاختار الطريق الذي آمن به؛ عكس غيره من المشائين الذين خلّطوا و لفّقوا و تناقضوا في زعمهم الجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية، مع أن باطنهم خلاف ذلك، لأن انتصارهم لم يكن للدين، و إنما كان للأرسطية المشائية، فتظاهروا بحكاية الجمع المزعومة انتصارا لتلك الفلسفة لا للإسلام. و قد ساعده - أي الطوسي - على إعلان موقفه صراحة و السعي في تطبيقه أنه كان وزيرا في دولة تقوم على الفلسفة المشائية.
و يرى الحافظ شمس الدين الذهبي أن سعي الفلاسفة المشائين للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان، هو عمل خاطئ، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، و من رام الجمع بين علوم الأنبياء -عليهم الصلاة و السلام - و علوم الفلاسفة، فلابد أن يخالف الاثنين، و من كفّ و مشى خلف ما جاءت به الرسل، سلم
(1) ابن القيم: الصواعق المرسلة، ج 3 ص: 1077.