يصلح في كل الأحوال، و مع كل الناس، لأن مقالات المتكلمين لا تُعارض بالسكوت، و الشكوك، و لا تُداوى بالوقوف على حد قول ابن قتيبة.
و ثانيها اكتفاء طائفة منهم بالمعارضة المجملة للفلسفة اليونانية، دون الرد المفصل على أصولها و جزئياتها.؛ اعتقادا منهم أن موقفهم هذا كاف للرد عليها و وقف انتشارها، خاصة و أنها تتعارض مع كثير من أصول دين الإسلام، و هذا -في اعتقادهم - كاف لمقاومتها و الحد من انتشارها. و موقفهم هذا صحيح إلى حد كبير، يُقنع كثيرا من أهل العلم و عامة الناس، لكنه لا يُقنع أناسا آخرين من المختصين و المتفلسفين و المرتابين و المشكاكين، و مرضى القلوب و العقول.
و ثالثها إن بعضهم لم يكن تكوينه العلمي يسمح له بالتوسع للرد على أصول الفلسفة و جزئياتها، لقلة زادهم العلمي في العلوم الشرعية و العقلية. و رابعها نفور الكثير منهم من الفلسفة و علوم الأوائل، لاختلاطها بالسحر و التنجيم، و الشركيات و الوثنيات القديمة، و لمعارضتها لكثير من حقائق الدين، جعلهم ينفرون منها، و يكتفون بذمها و التحذير منها، دون التوسع في الرد العلمي عليها.
و أما الملاحظة الثانية، فهي أن تصنيف الكتب للرد على الفلسفة اليونانية و رجالها لم يكن مقتصرا على أهل السنة وحدهم، و إنما شاركت فيه أيضا طوائف أخرى، من المعتزلة و الشيعة و غيرهم. [1]
و يتبين مما قلناه عن تصنيف السنيين للكتب لمقاومة على الفلسفة اليونانية و رجالها، هو أمر ضروري، و وسيلة في غاية الأهمية، مكنتهم من توصيل
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 230.و ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، ج 1 ص: 422.