فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 155

أشار إلى تقاعس المحدثين في زمانه عن النهوض للرد على الشبهات التي أثارها خصومهم، و ذكر أنه تضايق من سكوتهم، و كأنهم رضوا به، فدفعه ذلك إلى النهوض للرد على هؤلاء، فصنف كتابه: تأويل مختلف الحديث، و كان يقول: الكلام لا يُعارض بالسكوت، و الشك لا يُداوى بالوقوف )) [1] . و هو هنا و إن كان يتكلم عن تقاعس المحدثين في الرد على المتكلمين، فإن ذلك يصدق عليهم أيضا تجاه الفلاسفة؛ فان لم يردوا على أولئك، فمن باب أولى أن لا يردوا عل هؤلاء.

و أما ابن تيمية فانه أشار إلى أن من المسلمين من أعرض عن الفلسفة اليونانية -عندما عُربت- إعراضا مجملا، و لم يتسلح بعلوم الشريعة لمعرفة حقيقتها و الرد على باطلها، و سمى هذا العمل- المطلوب منهم - جهادا، فقال عنهم: (( و لم يجاهدهم الجهاد المشروع، و هذا حال كثير من أهل الحديث و الفقه ) ) [2] . فواضح من كلامه أن كثيرا من المحدثين و الفقهاء، اكتفوا بالمعارضة المجملة للفلسفة اليونانية، و لم يحملوا أنفسهم على الرد عليها الرد المفصل متسلحين بالنقل الصحيح و العقل الصريح و العلم الصحيح. لذا قلّ تراث أهل السنة في نقد الفلسفة اليونانية و الرد عليها. فما هي أسباب ذلك؟.

هي كثيرة و متداخلة، أهمها -على ما يبدو -أربعة أسباب، أولها اعتقاد طائفة من علماء أهل السنة أن السكوت عن شبهات المتكلمين و الفلاسفة، هو أحسن وسيلة للرد عليها، لأن الرد عليها قد يرفع من شأنها و يزيد في انتشارها. و هذا الرأي يُستنتج من قول ابن قتيبة الذي ضاق ذرعا من الذين سكتوا عن الرد على خصومهم. و موقف هؤلاء قد يكون صحيحا إلى حد ما، لكنه لا

(1) تأويل مختلف الحديث، بيروت دار الكتب العلمية، دت ص: 19.و جمال بن احمد بادي: الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سيّر أعلام النبلاء، ط 1 الرياض، دار الوطن، 1416 ه ج 1 ص: 435.

(2) مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت