السنة النبوية، و درء تعارض العقل و النقل، و له في هذا الأخير مناقشات مطولة في الرد على الفلاسفة، و هو كتاب قيم للغاية، مليء بالفوائد و الفرائد، و التحقيقات و الردود الحاسمة.
و خامسهم المحقق ابن قيم الجوزية، له مباحث كثيرة في نقد الفلسفة و أهلها، نجدها مبعثرة في مؤلفاته، منها: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، و الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة، و هما كتابان مشهوران مطبوعان و متداولان بين أهل العلم.
و آخرهم المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن خلدون (ت 808 ه) ، أفرد في مقدمته مبحثا لإبطال الفلسفة، عرض فيه بعض أفكارها، و ناقش بعضها، و نصح قارئها بمطالعة العلوم الشرعية قبل الإطلاع على الفلسفة، لكنه لم يتوسع في مناقشتها، و لم يأت بشيء جديد له أهمية كبرى في نقدها [1] .
و أشير هنا إلى ملاحظتين هامتين، الأولى أنه يبدو لي أن مصنفات أهل السنة في الرد على الفلسفة و رجالها قليلة جدا، بالمقارنة إلى ما صنفوه من كتب في الفقه و الحديث و علم الكلام و اللغة العربية و آدابها. و حتى بالمقارنة إلى ما ألفه الفلاسفة المسلمون في التعريف بالفلسفة و نشرها، على ما ذكرناه في الفصل الأول، فإن إنتاجهم فيها قليل بالنسبة لما أنتجه غيرهم من العلماء في ميادين تخصصهم.
و هذا الأمر سبق و أن أشار إليه اثنان من كبار علماء أهل السنة، هما: عبد الله بن قتيبة الدينوري (ت 276 ه) ،و تقي الدين بن تيمية. فابن قتيبة
(1) انظر: المقدمة، ص: 514 و ما بعدها.