و هؤلاء النفاة لصفات الله تعالى هم جُهال به، و متناقضون في موقفهم، فبما أنه لابد لكل موجود من صفات يتصف بها، فهم في الحقيقة لم ينفوا الصفات مطلقا، و إنما نفوا عن الله تعالى صفات الكمال، و وصفوه بصفات الجمادات و المنقوصات و المعدومات؛ و وصفوا أنفسهم بكثير من صفات الكمال التي نفوها عن خالقهم، كالعلم و الحكمة، و السمع و البصر.
و المثال الثاني، هو مفهوم العبادة عند الفلاسفة المسلمين المشائين، فقد ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية أن العبادة عند هؤلاء هي التشبّه بالإله على قدر الطاقة، و هذا هو مفهوم لفظ الإله عندهم، فلا يوجد فيه حب لله تعالى، و لا رجاء منه، و لا خشية منه، و لا هو محبوب لذاته تعالى، على ما جاءت به الرسل -عليهم الصلاة و السلام- [1] .
و كلامه هذا صحيح، فهؤلاء الفلاسفة المسلمون جعلوا لأنفسهم شريعة حسب أهوائهم، و فرضوا خيالاتهم و رغباتهم على خالقهم، و تركوا شريعته وراء ظهورهم، باسم العقلانية، و ما ذلك من العقل و لا من الحكمة في شيء، و ما هي إلا تلبيسات و تغليطات و رعونات نفس. .
و المثال الثالث، هو زعم الفلاسفة المشائين أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات، و هذا قول معروف عنهم. لكن الغريب في الأمر هو أن ابن رشد زعم أن الفلاسفة المشائين لم يقولوا بذلك، و خطّأ الغزالي في نسبة ذلك إليهم، مع أن الحقيقة خلاف زعمه، و هو المخطئ، و دافع عن الفلاسفة المشائين بالباطل و التغليط، و إخفاء الحقيقة في نفي هؤلاء صفة العلم بالجزئيات عن الله. لأن ابن رشد نفسه ذكر ذلك عن أرسطو في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة [2]
(1) ابن تيمية: الصفدية، حققه رشاد سالم، ط 2، دم، دن، 1406، ج 2 ص: 332، 335، 338.و منهاج السنة النبوية، حققه رشاد سالم، ط 1، د م، مؤسسة قرطبة، ج 3 ص: 332.
(2) للتوسع أنظر كتابنا: نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد.