3.النُّصرة: المنافية للعداوة ..
وهي إعانة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين بالقول أو العمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة:51] . فالمسلم مأمور بإظهار العداوة للكفار، وإعلان بُغضه لهم باللسان والجوارح.
والقرآن أثبت الموالاة بين المؤمنين، فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: من الآية71] ، كما إنه أثبت الموالاة بين الكفار، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: من الآية73] .
لكنه نفى الموالاة بين المؤمنين والكفّار، بآيات متكاثرة ومتضافرة، وجعل علاقة المسلم بغيره قائمة على أصل عظيم من أصول الدّين؛ هو الولاء والبراء، فالمسلم مأمور بموالاة المؤمنين المتضمنّة: لمودتهم بالقلب، ومتابعتهم على الحقّ، ونصرتهم على الكفار؛ وفي المقابل فإنه مأمور بالبراءة من الكفار المتضمنّة: لبغضهم بالقلب، ومخالفتهم على باطلهم، وعداوتهم بالقول والعمل، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: من الآية4] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: من الآية1] . وقال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} [النساء: من الآية89] .
وقال: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا - الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138 - 139] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23] ، وغيرها كثيرٌ في كتاب الله.
-وحفظًا لهذا الأصل العظيم، وسدًّا للذرائع التي قد تكون وسيلة وسببًا لموالاة الكفار، نهى الله المسلمين عن كثير من الأفعال الظاهرة ومنع صرفها للكفار، والتي منها:
1.النهي عن مداهنتهم: والمداهنة لغةً من الدّهان، وستر الشيء وتليينه مخالفةً للباطن [1] .
ومداهنة الكفار: [هي ستر العداوة الظاهرة، واللّين بالكلام والتعامل في موضع الغلظة الواجبة، والسكوت عمّا ينبغي الإنكار عليه، وتكون فيما دون الموالاة المُكفّرة[2] ، وذلك ابتغاء مصلحة دنيوية]، وعرّفها بعض أهل العلم بأنّها"بذل الدين لأجل الدّنيا"، وهي محرّمة لأنها انتقاصٌ للبراءة الواجبة من الكفار، وهي ممّا يبغضه الله، ويُحبها الكفار، لأنها ذريعة ووسيلة لاستدراج المسلم إلى موالاة الكفار، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9] . قال في أضواء البيان: (وقد جاء بيان ذلك مفصلًا بأنهم أرادوا التدرّج من المداهنة، وملاينته - صلى الله عليه وسلم - معهم إلى ما بعدها من تعطيل الدعوة) [3] .
2.النهي عن الرّكون إليهم: (وقد نهى الله عن ذلك، فقال تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [هود:113] ، فنهى سبحانه وتعالى عن الركون إلى الظلمة، وتوعد على ذلك بمسيس النار وعدم النصر، والشرك هو أعظم أنواع الظلم، كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: من الآية13] ، فمن ركن إلى أهل الشرك، أي: مال إليهم أو رضي بشيء من أعمالهم، فإنه مستحق لأن يعذبه الله بالنار، وأن يخذله في الدنيا والآخرة.
وقال تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
(1) - لسان العرب: كلمة:"دهن".
(2) - أي لا تصحبها أي صورة من صور الموالاة كالمودة، أو المتابعة على الكفر، أو الإعانة والنصرة على المسلمين، وإلا أصبحت موالاةٍ مكفّرة.
(3) - تفسير سورة القلم.