هذا الحديث أجاز لنا أن نسأل الأحباش وأمثالهم من أذناب المعتزلة أو الإباضية: أين الله؟ فستراهم حيارى، والجيد منهم يقول: هذا سؤال لا يجوز.
وهم يجهلون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سن هذا السؤال لأمته، فهم إذًا يردون على نبيهم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به.
قد لا تصدقون، لكن الكتاب موجود، وبعض العلماء في العصر الحاضر يقولون: إن القول بأن الله في السماء هي عقيدة الجاهلية وليست عقيدة المسلمين، وأن هذه الكلمة"إن الله في السماء"حكاها عنهم رب العالمين في القرآن الكريم من سورة تبارك: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك:16] {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك:17] .
وهناك قسم آخر أقرب إلى الهدى وأبعد عن ضلال القسم الأول الذين قالوا: إن القول بأن الله في السماء هو قول جاهلية، يتأولون هذه الآية بتأويل، فيقولون: (من في السماء) أي: الملائكة.
وهذا من شؤم ما يسمونه بالمجاز، إنهم يسلكون طرق المجاز لتعطيل الصفات الإلهية، وتأتي هنا أحاديث كثيرة لإبطال مثل هذا التأويل، من ذلك: الحديث المتداول بين الناس اليوم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بل لا يفقهون ما به يتكلمون، ذلك الحديث هو: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، من في السماء؟ الله، ومن في الأرض؟ خلق الله؛ من إنسان، وحيوان، ودواب إلخ.
هذا الحديث لأنه يوضح المعنى المقصود من قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك:16] وهذا الذي قلت آنفًا: ربما نعرج لبيان معنى (من في السماء) لأن (في) من حيث الاستعمال العربي تأتي في بعض الأحيان بمعنى الظرفية، وأحيانًا تأتي بمعنى آخر من حروف الجر، فتأتي بمعنى على، فيا ترى (في) هنا في هذه الآية هل هي بالمعنى المعهود أي أنها ظرف؟
الجوابلا.
ومن هنا يظن علماء الكلام أنهم إذا نفوا أن يكون الله في السماء أنهم نزهوه، وهم في الحقيقة نزهوه عن فهمهم الخطأ للآية، لكن قد أنكروا أن يقولوا كما قال الله"الله في السماء"فجهلوا معنى أن الله في السماء أنه على السماء، وفي هذه الحالة تلتقي معنا هذه الآية مفسرة بالحديث السابق: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (من في الأرض) ليس المقصود من كان في جوف الأرض من ديدان وحشرات إلخ، وإنما المعنى واضح جدًا: من على الأرض، من تتعاملون معهم من بني جنسكم من الإنس، أو مما ذلل الله لكم من الحيوانات، ارحموا من على الأرض يرحمكم من في السماء، أي: من على السماء.
وحينئذ هذا التفسير الذي يوضحه هذا الحديث، يلتقي تمامًا مع كل الآيات التي ذكرنا بعضها، وأحاديث أخرى أن الله عز وجل له صفة العلو، فحينما نوجه السؤال إلى هؤلاء الأحباش، أو إلى غيرهم ممن هم على شاكلتهم في ضلالهم: أين الله؟ يجب أن يكون جوابهم كما قالت الجارية: الله في السماء.
لكن ليس بمفهومهم"في"ظرفية، لا.
وإنما بالمفهوم الذي وضحه الحديث أولًا، وكان عليه سلفنا الصالح ثانيًا، ومعنى: (إن الله في السماء) أي: على السماء، فوق العرش؛ لأن كل ما علاك فهو سماء.
فحينئذٍ تسد الطرق كلها أمام هؤلاء الأحباش الذين يظنون أولًا: أنه لا يجوز أن يسأل المسلم: أين الله؟ وثانيًا: يظنون أنه لا يجوز أن يقول: الله في السماء، بعد أن تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سن هذا
السؤالأين الله؟ وهو الذي شهد لتلك الجارية بالإيمان؛ حينما نطقت بلفظ القرآن: الله في السماء.