فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 552

السؤالفي كتاب صفة الصلاة ذكرتم الحديث المروي عن الصحابة في كيفية التشهد، والصحابة قد غيروا صيغة (السلام عليك) بـ (السلام على النبي ورحمة الله وبركاته) ، كيف لنا أن نوفق الأمر الثاني بالأول، علمًا بأن الدعوة السلفية منهجها الأخذ بالقرآن والسنة، وفهم الصحابة لهما؟

الجوابكأن السائل فهم أن الصحابة غيروا النص الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الذي هو بصيغة الخطاب: (السلام عليك أيها النبي) ، فكأنه فهم أنهم غيروه من عند أنفسهم، وهذا ما نبرئ منه أقل الناس فهمًا للسنة حتى لو كان خلفيًا سلفيًا، أعني: حتى لو كان من الخلف الذين يتبنون مذهب السلف، فلا نتصور أن رجلًا من المتأخرين يفقه أن الأوراد توقيفية، يتجرأ على أن يغير حرفًا واحدًا في ورد تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد، فكيف نتصور صحابيًا واحدًا -لاسيما إذا كان مثل ابن مسعود - يقدم على تغيير نص تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؟! هذا الخاطر يجب ألا يخطر على بال السائل أو غيره أبدًا، وإنما يقول العلماء في مثل هذا: إن ذلك الذي فعلوه هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، ومعنى التوقيف: أن الرسول عليه السلام هو الذي ألمح وأشار إليهم أن هذا يكون في حياته، أما بعد وفاته فيتكلمون بصيغة الغيبة، وليس بصيغة الحاضر، فيقولون في التشهد: السلام على النبي، ونحن نعرف بعد الصحابي عن الابتداع بصورة عامة، وبعدهم عنه في الأذكار بصورة خاصة، وبالأخص منهم عبد الله بن مسعود الذي جاء النص الصحيح في صحيح البخاري عنه أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة وكفي بين كفيه) كناية عن اهتمام المعلم بالمتعلم بتلقينه ما هو في طريق تعليمه إياه، قال ابن مسعود: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه، التحيات لله ... ) وذكر التشهد المعروف عن ابن مسعود، والذي عليه الحنفية: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) قال ابن مسعود بعد أن ذكر النص الذي لقنه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفه بين كفي الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (وهو بين ظهرانينا) أي: علمه أن يقول هذا وهو بين ظهرانيهم، وهو حي معهم عليه الصلاة والسلام، قال (فلما مات قلنا: السلام على النبي) ما قال هو: قلت، وحاشاه أن يقول! -كما قلت لكم آنفًا- وحاشاه أن يتصرف في مثل هذا النص الذي تلقاه من الرسول مباشرة، وبهذا الاهتمام الذي عبر عنه بقوله: (وكفي بين كفه) وإنما ذلك مما فهمه في أثناء التلقين، لذلك قال في هذا الحديث: (وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا ... ) ما قال: قلت، فكيف يقول من عند نفسه شيئًا يبدل فيه نص الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم أن تعليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو وحي من الله؟! والذين يجهلون هذه الحقيقة، أو يغفلون أو يتغافلون عنها، هم في الواقع في خطر كبير جدًا، فالذين يتقدمون إلى أوراد الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أذكاره، فيزيدون فيها ما شاءوا من الزيادات، لا يتصورون أبدًا أنهم يزيدون على الوحي ولا يخطر هذا في بالهم، وهذا في الواقع تفريق خبيث بين الله ورسوله، وهم لا يتنبهون له، وهو تفريقٌ خبيث بين الكتاب والسنة، أي: بين ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة، وإلا هل يجرؤ أحد هؤلاء أن يزيد في نص القرآن حرفًا واحدًا؛ من أجل إشباع نهمته وغلوه في حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم؟ مثلًا: هل يقول أحدهم حين قال الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ.

هل هناك فرق؟ لو لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام رسولًا وكان نبيًا فقط؛ لصار هناك تغيير للمعنى؛ لأن الرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس فقط رسولًا، بل هو خاتم الأنبياء والرسل جميعًا، فحينما قال البراء: وبرسولك الذي أرسلت، ما خالف الواقع أبدًا؛ ولكنه خالف التعاليم النبوية -إخواننا انتبهوا لهذا- كل ما في الأمر أنه خالف تعليم الرسول إياه، أما المعنى فمستقيم تمامًا؛ لذلك قال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) وعلى هذا جرى الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت