أنا أقول: الأمر يعود لشيئين: الشيء الأول: أنه يصدق عليهم قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:187] ، لكن لا أستطيع أن أقول: إنه ما طرق سمع أحدهم مطلقًا، ولا قرأ هذا الحديث في كتاب ما، وهو في صحيح مسلم أصح كتاب بعد كتاب الله، وصحيح البخاري موجود هذا الحديث فيه، فلا أتصور أن أحدًا مطلقًا من هؤلاء لا علم عنده بهذا الحديث، إذًا: ما الذي يصرفهم أو يصدهم عن التمسك بهذه السنة؟ أقول: لأنها تخالف منهجهم كيف؟ هذا الحديث يؤسس قاعدة لا يتبناها إلا الذين ينتسبون إلى السلف الصالح من أمثالنا، ما هي هذه القاعدة؟ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فلا تجد الإخوان المسلمين، ولا حزب التحرير، ولا جماعة التبليغ، وإن كان هناك جماعات أخرى في بلاد أخرى، لا تجد منهم أحدًا يدندن حول هذه القاعدة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ولو أنهم اعتادوا إحياء هذه السنة لاستيقظ جماهيرهم من سباتهم، ولقالوا لهم: كيف تواضبون على هذه الخطبة: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ونحن نسمعكم دائمًا تقولون: هناك بدعة حسنة، والرسول يرسخ في أذهان أصحابه هذه القاعدة العظيمة الجليلة، وأمرها كما يقول ابن تيمية رحمه في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ردًا على بعض الناس الذين يقولون: إن هذا العموم غير مقصود: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، يزعم بعض المتأخرين أن هذا العموم المصرح به في هذا الحديث هو من العام المخصوص، ثم يأتون ببعض الأشياء من الروايات منها ما يصح ومنها ما لا يصح، يزعمون أن هذه روايات مخصصة لهذا العموم، ومعنى كلامهم: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) لا.
أي: ليس كل بدعة ضلالة.
يقول ابن تيمية، وهذا الشاهد، وأنا أقرب ذلك بمثل: لا يمكن أن يكون هذا النص من رسول الله من العام المخصوص وهو يكرره دائمًا وأبدًا على مسامع أصحابه في كل مناسبة يريد أن يتكلم فيها بين أصحابه يقول: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) يستحيل أن يكون هذا من العام المخصوص؛ لأن المفروض على النبي صلى الله عليه وسلم الذي خوطب بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} [المائدة:67] ، ربك يعصمك من الناس الذين قد يقصدون القضاء عليك فيحولون -لو وصلوا إلى هدفهم- بينك وبين تبليغ الرسالة وتوضيحها وبيانها {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} [المائدة:67] .
ولابد لي من التذكير بأن تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في هذه الآية: {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] .
الذي أمر به يكون على وجهين: تبليغ اللفظ، وتبليغ المعنى.
تبليغ اللفظ يعني: اللفظ القرآني كما أنزله الله على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، فهو مأمور بتبليغه، هذا هو النوع الأول.
الأمر الثاني الذي أمر بتبليغه، معنى هذه الألفاظ لهذه الآيات الكريمات، وهذا هو المقصود من قوله تبارك وتعالى في الآية الأخرى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] ، هذه الآية غير الآية السابقة، الآية السابقة تعني تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى؛ أما هذه الآية الأخرى فإنما تعني: تبليغ المعنى بدليل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} [النحل:44] أي: القرآن، لماذا؟ {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل:44] أي: بيانه عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يحتاج الآن إلى تفصيل كل الأقسام: قوله وفعله وتقريره.
فإذًا: ابن تيمية رحمه الله يقول: استمرار الرسول عليه الصلاة والسلام في تكرار هذه القاعدة: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) على مسامع أصحابه، يستحيل أن يكون من العام المخصوص؛ لأن المفروض عليه ولو مرة واحدة أن يبين -بحكم ما ذكرنا من الآيات- أن هذا النص العام ليس على عمومه وشموله، ولم يفعل ذلك إطلاقًا، بل هو عليه الصلاة والسلام من تمام تبليغه لما أمره الله به كان يؤكد هذه القاعدة العامة فيقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، إلى آخر ما هنالك من أحاديث أخرى، ولسنا أيضًا في صددها.
أما المثال: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) مثاله: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، لا يمكن أن نقول: ليس كل مسكر خمرًا وليس كل خمر حرامًا، هذا لا يقوله مسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر هذه الكلية على مسامع أصحابه، تحذيرًا لهم من أن يشربوا مسكرًا، أي مسكر كان، سواء سمي خمرًا، أو سمي نبيذًا، أو سمي وسكًا، أو (شمبانيا) أو أو إلخ، كل هذه الأسماء تدل على مسمىً واحد وهو الخمر في اللغة العربية، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، كيف يمكن أن نقول: ليس كل مسكر خمرًا؟ وبالتالي كيف يمكن أن نقول: ليس كل بدعة ضلالة، وهو يقول في كل منهما: (كل مسكر خمر) (كل بدعة ضلالة) ؟ هذا هو المثال تأكيدًا لما سمعتم آنفًا مما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن هذه الكلية التي كان النبي يذكرها دائمًا في خطبة الحاجة لا يمكن أن تكون مخصصة.
الآن آتيكم بمثال عكسي، أي: لكلية خصصها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حتى تعرفوا أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام جمع فأوعى سمعتم: (كل مسكر خمر) (كل بدعة ضلالة) اسمعوا الآن التقييد كيف يكون قال: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى) ، دخل استثناء هنا، كان يمكنه أن يقول: كل بدعة ضلالة إلا ما كان موافقًا للعبادة أو للحسنة، أو ما شابه ذلك مما تسمعونه من المؤولين إن لم نقل من المعطلين، فقال عليه الصلاة والسلام: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى) ، هل يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: كلكم يدخل الجنة ويسكت وهو في نفسه استثناء؟ لا يمكن هذا، فإذًا: كيف يتصور هؤلاء الذين يقولون: كل بدعة ضلالة، هذا ليس على عمومه، معنى ذلك أنهم ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في باله إطلاقًا، ولو كان ذلك في باله لكان من الواجب عليه ديانة أن يسارع ولو مرة واحدة إلى التصريح بالاستثناء، كما قال في هذه الكلية الأخيرة: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟) معقول أن شخصًا يأبى دخول الجنة؟! معقول وليس معقولًا، وتأملوا معي الحديث، فهو كما يقال في لغة العصر الحاضر: يضع النقاط على الحروف (قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) .
فإذًا: كل كلية تأتي في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن الآيات القرآنية، ولم يأت ما يخصصها، فيجب إبقاؤها على إطلاقها، وبخاصة إذا كانت مثل كلية: (كل بدعة ضلالة) التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكررها على مسامع أصحابه في كل مناسبة.
نعود لماذا لا يحافظ جمهور الدعاة الإسلاميين اليوم على هذه الخطبة المباركة التي سماها العلماء بخطبة الحاجة؟ أي: من أراد أن تقضى حاجته العلمية فليقدم بين يدي العلم خطبة الحاجة النبوية، لماذا يعرضون عنها؟ لأنها تخالف منهجهم، فليس من منهجهم ما نهجه الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الخطبة، خطبة الحاجة، وهي ذم عموم البدعة وذلك في الدين والعبادة.
فلذلك قلنا في تلك الجلسة هناك -كما ذكرنا لكم آنفًا- في مأدبة: لا يكفي أن تتحمس كل جماعة وكل حزب لجماعتها، وتنطلق بدون علم وبدون وعي، فننصح هؤلاء الذين يخرجون، وأولئك الذين لا يخرجون ولكنهم يتكتلون، وأولئك الذين يشتغلون دهرهم بالسياسية، وكثير منهم لا يعرفون أن يحجوا وأن يصلوا وأن يصوموا على السنة، نأمرهم جميعًا بأمر الله ورسوله، أن يتعلموا: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] كلا! لا يستوون.