فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 552

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71] .

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

لم يكن بودي في هذه الليلة أن أتكلم بشيء؛ لأننا رغبنا أن نسمعكم صوتًا جديدًا من أخٍ لنا قديم، من إخواننا السلفيين الذين استجابوا لله وللرسول، حين دعاه وإخوانه إلى اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.

أردنا أن نعطيه هذا الوقت ليتكلم بما يبدو له مما ينفع الناس جميعًا والسلفيين خاصة، وكنت أرى أنه إن بقي عندنا شيء من الوقت المعتاد أن نجيب عن الأسئلة التي يوجهها إخواننا عادة، ولكن بدا لي وأنا داخل إلى هذا المكان أن أتكلم بكلمة على الرغم من ذلك، وذلك لأنه جاءت أيضًا مناسبة، وهي أن أخًا لنا في الغيب -لا نعرفه من قبل- زارنا قبل أيام ثم زارنا في هذه الليلة، ولاحظ في مجلسنا شيئًا من الحرية من إخواننا معي، باعتباري شيخًا لهم عند هذا الزائر الكريم، فحدثته بأننا لسنا مع إخواننا كما تعلم من المشايخ مع مريديهم وتلامذتهم، وأردت أن ألفت نظره بأننا سندخل الآن إلى المجلس، فقلت: قد ترى شيئًا أيضًا لا يعجبك، قال: ماذا؟ قلت: ستراني أدخل المجلس ولا أحد يتحرك إطلاقًا، فأجاب كما هو مستوى أي متعلم وعاش على ذلك مدة من الزمن، أجاب: لهم ألا يقوموا ولهم أن يقوموا، وباعتباره زائرًا وقد لا تتاح لي هذه الفرصة أن أتكلم معه بهذه المسألة في جلسة خاصة من جهة، فخشية أن تفوتني هذه الفرصة وأن يفوتني هذا الصيد الثمين المهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أنني أعلم أنه يحضر جلستنا هذه كثير من الإخوان الطيبين، والذين تثقفوا بثقافة يظنون أنها من الإسلام وهي ليست من الإسلام في شيء، إنما هي تقاليد تسربت إلينا منذ القديم، من تقاليد فارس والروم.

ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم صلاة الظهر بهم جالسًا، فصلى أصحابه خلفه قيامًا، فأشار إليهم وهو في صلاته أن اجلسوا، فجلسوا، وحينما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال لهم: إن كدتم لتفعلن آنفًا فعل فارس بعظمائها، يقومون على رءوس ملوكهم، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين) .

الشاهد من هذا الحديث هو: أن من عادة الأمم أن يأخذ بعضها عن بعض، وأن يقلد بعضها بعضًا، وإنما يأخذ الضعيف من القوي، وإنما يقلد الضعيف القوي، كما هو واقعنا اليوم تمامًا، فقد أصبحنا على الرغم من ديننا وإسلامنا -بسبب بعدنا عن إسلامنا- أصبحنا أمة ضعيفة تقلد الأقوياء في المادة، وليتهم كانوا أقوياء في الدين وفي العقيدة وفي الخلق، أصبحنا نقلدهم؛ لأننا ننظر إليهم بعين الإجلال والإكبار والتعظيم، هذه هي عادة الأمم، ضعيفها مع قويها، وحقيرها مع عظيمها، لذلك جاء الإسلام في جملة ما جاء به من المقاصد والقواعد، أن نهى المسلمين أن يتشبهوا بالكافرين؛ وذلك لأن التشبه هو مدعاة لإضاعة شخصية الأمة، ولتمييعها في شخصية أمة أخرى، فطالما جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تترى بعبارات متنوعة شتى، كلها تؤدي إلى حقيقة واحدة، ألا وهي حافظوا على شخصيتكم المسلمة، ولا تقلدوا الكفار في شيء من تقاليدهم ومن عاداتهم.

ولست أريد الخوض في شيءٍ من التفصيل في هذا، أو على أصل من تلك الأصول التي ألمحت إليها آنفًا، وقد كنت تحدثت بشيء من التفصيل عن ذلك في كتاب: حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، وإنما أردت أو عزمت على الكلام على جزئية من الجزئيات التي فشت اليوم في مجالس المسلمين، وبناءً على كلمة الأخ المشار إليه سابقًا، أن الشيخ إذا دخل المجلس فللناس الجالسين أن يظلوا جالسين وأن يقوموا؛ فنحن نقول: إذا دخل الشيخ مجلسًا فليس لأحد أن يقوم له؛ لأن هذا الشيخ مهما سما وعلا فلن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا مذكورًا، وقد علمنا من السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد البشر، وأن أصحابه عليه الصلاة والسلام هم أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل، فإذًا: هم أعرف الناس بما يستحقه أعظم الناس وسيد الناس وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، من التبجيل والإكرام والتعظيم كيف لا وقد سمعوه عليه الصلاة والسلام يقول لهم مرارًا وتكرارًا: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) هذا حديث رواه إمام الأئمة محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الأدب المفرد، من طرق عديدة وعن جماعة من الصحابة، ومما روى أيضًا: (إن من إجلال الله- من تعظيم الله- إجلال ذي الشيبة المسلم) .

هؤلاء الصحابة الذين تأدبوا بأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخرجوا من مدرسته، وصاحبوه ما شاء الله عز وجل من سنين كلٌ بحسبه، ما كان لهم إلا أن يعظموا رسول الله صلى الله عليه وسلم التعظيم الذي يستحقه، فهل كان من ذلك أنه إذا دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس كهذا -وبدون تشويه كما يقولون-.

هل كان أحدٌ منهم يقوم له؟ إذا رجعنا إلى السنة الصحيحة وجدنا الجواب صريحًا بالنفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت