السؤالمتى يقصر الإنسان في السفر؟
الجوابسؤال متى يقصر الإنسان في السفر؟ له شعب، فيمكن أن يقال في الجواب: إذا خرج من بنيان بلدته، وفي ظني أن السائل لا يعني هذا فقط، وكأني أشعر بأنه يعني: ما هو السفر الذي يقصر فيه المسافر؟ الحقيقة: أن هذه المسألة أيضًا مسألة جرى فيها خلاف كثير وطويل جدًا، وليس هناك نص صريح من كتاب الله، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمكن أن يعتبر نصًا قاطعًا رافعًا للخلاف، وإنما هناك الترجيح فقط، ونحن مع أولئك الذين ذهبوا إلى أن مطلق السفر هو سفر تجري عليه أحكام السفر والمسافر، وهذا مأخوذ من مثل قوله تبارك وتعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184] .
فكما أن الله عز وجل أطلق المرض في هذه الآية، كذلك أطلق السفر، فكل ما كان سفرًا، سواءً كان طويلًا أم قصيرًا، فهو سفر تترتب عليه أحكامه، ولا ينظر بعد ذلك إلى المسافة أن يقال مثلًا: يوم وليلة، أو ثلاثة أيام بلياليها، أو نحو ذلك، فإذا عرفنا أن هذا هو القول الراجح وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، بل وفي رسالته الخاصة بأحكام السفر، التي كانت قد طبعت في جزء ضمن خمسة مجلدات، وهي طبعة المنار للسيد رشيد رضا رحمه الله، وطبعت في مصر.
إذا عرفنا أن السفر مطلقًا هو الذي يترتب عليه أحكام المسافر، فحينئذٍ مجرد أن يخرج المسافر من بلدته تجري عليه أحكام المسافر، فإذا نزل في البلدة التي كان قاصدًا إليها فهناك لا يزال مسافرًا أيضًا؛ سواء أكثرت أم قلت، فهو لا يزال في حكم المسافر، إلا إذا نوى الإقامة، أما ما دام لم يعزم الإقامة، وهو يقول في نفسه: اليوم أسافر وغدًا أسافر وهكذا، فمهما كانت المدة التي أقامها في البلدة التي سافر إليها طويلة فهو لا يزال مسافرًا.
وقد ثبت أن الصحابة حينما خرجوا للجهاد في سبيل الله نحو خراسان من بلاد إيران اليوم، هناك نزلت الثلوج بغزارة فقطعت عليهم طريق الرجوع إلى بلادهم، فظلوا ستة أشهر وهم يقصرون الصلاة؛ لأنهم كانوا يأملون أن تزول هذه الثلوج إما بطريقة ربانية إلهية، أو بطريقة صناعية كما قد يفعلون اليوم في بعض البلاد.
إذًا: بهذا نعرف أن السفر ليس له حد يسمى، وإنما هو على الإطلاق كالمرض، وأن أحكامه تبدأ بمجرد خروج المسافر من بلدته، فإذا وصل إلى البلدة القاصد إليها فهو لا يزال مسافرًا إلا أن يعزم الإقامة، أما ما دام أنه لم يعزم الإقامة فهو مسافر.