فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 552

هناك أمور هامة وأصول أساسية تركز عليها الدعوة السلفية، أول هذه الأمور مسألة التوحيد، وهذه المسألة أخطأ فيها جماهير المسلمين عامتهم وخاصتهم، فقد شاع لديهم أن التوحيد الذي أمر الله به في كتابه وسنة نبيه هو الاعتقاد فقط بأن لهذا الكون خالقًا مدبرًا ورازقًا حكيمًا يتصف بصفات الكمال، وقد ملئوا كتبهم وأتعبوا أنفسهم في إثبات هذه الحقيقة، مع أن -كما سمعتم من أستاذنا أكثر من مرة- هذه الحقيقة فطرية مركوزة في النفوس والأذهان، ولا تحتاج إلى كثير إثبات ولا إلى جهد كبير، فقد قال الله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم:10] {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30] .

وإن كل من ينظر إلى تاريخ البشر على مر العصور ليجد أن كل البشر يؤمنون بإله خالق مدبر وحكيم، إلا قلة نادرة من الملحدين على مر العصور كانوا يُسمَّون دهريين قديمًا، ويسمون اليوم ملاحدة أو زنادقة أو شيوعيين، هؤلاء نسبتهم قليلة جدًا بالنسبة لبقية البشر، لا يقول قائل: الشيوعيون مثلًا الآن هم سكان روسيا، وسكان الصين، وسكان الدول الشيوعية الأخرى الكثيرة، لا يقول أحد هذا، فإن سكان هذه الدول أكثرهم مؤمنون بالله، أكثرهم إما نصارى أو مجوس أو وثنيون يؤمنون بإله، ولكن الملاحدة منهم والشيوعيين مثلًا هم قلة قليلة، هم الحكام فقط، والذين يسيرون الأمور العسكرية وغيرهم، يعني هم أعضاء الحزب الشيوعي لا غير، أما بقية الشعب فتعلمون أن لهم كنائسهم، ولهم عباداتهم، وكانوا يجرون إحصاءات بين الحين والحين، أذكر أن آخر الإحصاءات أن الشيوعيين في روسيا نحو سبعة ملايين فقط، فإذًا هم قلة، ما قيمة سبعة ملايين أضف إليها مثلًا البلدان الأخرى خمسة عشر مليونًا أو عشرين مليونًا أو خمسين ما قيمتهم بالنسبة لبقية البشر الذين هم الآن نحو أربعة آلاف مليون نسمة؟ إن عامة البشر وجماهير الناس على مر العصور هم مؤمنون بإله، فإذًا ماذا يحتاج هؤلاء؟ إن أحوج ما يكونون إليه هو أن يؤمنوا بالله الإيمان الصحيح الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم والرسل السابقون.

إنه الإيمان الذي يعتد به إنه الذي ينجي صاحبه من الخلود في النار إنه طريق دخول الجنة إنه هو وحده الإيمان الصحيح وما عداه كفر، وكلنا نعرف أن المشركين كانوا يؤمنون بإله خالق إلا قلة نادرة جدًا أيضًا، أشار إلى ذلك القرآن حيث قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر:38] وبين سبب ضلالهم وشركهم أنه بسبب اعتقاد الشفعاء والوسطاء بينهم وبين الله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18] {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] وفي شعر للجاهليين تجد كثيرًا لفظة الإله والخالق ويسلمون به، ويعظمونه، ولكنهم يعتقدون أن هذه الأصنام هي وسائط، وهي مقربات لهذا الإله، وإن ذكرها ودعوتها هو ضمان ليستجيب لهم الله دعاءهم ويغيثهم إذا استغاثوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت