نسب إلى ابن عباس - رضي الله عنه - الكثير في تفسير الأية منه الضعيف ومنه الصحيح وورد عنه:
الزينة الظاهرة الوجه والكفان وكحل العينين، ثم قال - رضي الله عنه: فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها، ثم لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... الأية. ثم قال - رضي الله عنه: والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها و سوارها، وأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها.
فيها إنقطاع بين علي ابن أبي طلحة وابن عباس - رضي الله عنه - وبينهما مجاهد ابن جبر واحتج بهذه الرواية - علي عن ابن عباس - رضي الله عنه - البخاري وغيره.
فليستأنس بها.
قال ابن تيمية رضي الله عنه:
قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المومنين يدنين عليهن من جلابيبهن) حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها فأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الستر ومنع أنسًا أن ينظر.
ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها.
فلما أمر الله تعالى أن لا يُسئلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ والجلباب هو المُلاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة: الإزار، هو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عَبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهرإلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح (إن المحرمة لا تنقب ولا تلبس القفازين) ، فإن كنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التى أمرت ألا تظهر للأجانب، فما بقي يَحِلُّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة.
فابن مسعود ذكر آخر الأمرين؛ وابن عباس ذكر أول الأمرين.
ذكر ابن باز رحمه الله تنبيه شيخ الإسلام هذا ثم قال:
وهذا الجمع أولى لما ورد عن ابن عباس أيضًا من قوله: تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به. قال روح في حديثه: قلت: وما (لا تضرب به) ؟ فأشار لي كما تجلببُ المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: (تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو هو مسدول على وجهها) . رواه أبو داود في كتاب المسائل قال: حدثنا أحمد - يعني ابن محمد بن حنبل - قال حدثنا يحيى وروح عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء قال أخبرنا أبو الشعثاء أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فذكر الحديث - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
قال ابن عطية رحمه الله:
ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
عقب القرطبي رحمه الله:
قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجع إليهما، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها وساق حديث أسماء (للألباني تعقب يأتي) مستدلًا به، إلىأن قال رحمه الله: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها.
تعقبُ الألباني:
قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضًا، لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم الواقع، فإنما ذلك بقصد من المكلف، والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلًا شاملًا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل.
قال البيضاوي رحمه الله:
(ولا يبدين زينتهن) كالحلي والثياب والأصباغ فضلًا عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدي له (إلا ما ظهر منها) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجًا.
وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف، أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شي منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة.
قول للزمخشري رحمه الله:
وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر فإنه ما نهى عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع فكان إبداء المواقع نفسها متمكنًا في الحظر ثابت القدم في الحرمة.
قال الشهاب رحمه الله في شرحه على البيضاوي:
ومذهب الشافعي - رحمه الله - كما في (الروضة) وغيرها أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقًا، وقيل: يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف فتنة، وعلى الأول: هما عورة إلا في الصلاة، فلا تبطل صلاتها بكشفهما.
وقال أيضًا:
قوله: (إلا ما ظهر منها) أي: بلا إظهار كأن كشفته الريح، والاستثناء على الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو المؤاخذة به في دار الجزاء، وفي حكمه ما لزم إظهاره لتحمل شهادة ومعالجة طبيب.
وراجع (أدلة الحجاب) [283 - 310] فقد نقل الكثير من أقوال الفقهاء والمفسرين في الآية ومنه ننقل.
يتبع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)