فقال كعب: لو يدعي الفتى لطعنة أجاب.
[29] فنزل فتحدث معه ساعة وقال له: هل لك يا ابن الأشرف في أن نتماشى إلى شعب العجوز فتتحدث به بقية ليلتنا؟ فمشى وهو ينشد كلمته:
ربّ خال لي لو أبصرته ... سبط المشية أبّاء أنف
قد استخفى أصحابه بظلّ النخل. ثم قال له أبو نائلة: ويحك يا ابن الأشرف، إني جئتك لحاجة أذكرها لك، فاكتم عليّ. قال: أفعل.
فقال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب، ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنّا السّبل حتى ذهب العيال، وجهدت الأنفس. فقال كعب: أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول لك.
فقال سلكان: إني أردت أن تبيعنا طعاما، ونرهنك ونوّثق لك ونحسن في ذلك. فقال: ترهنوني أبناءكم؟
فقال له سلكان: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم في ذلك، ونرهنك من الحلقة [1] مالك فيه وفاء.
فقال كعب: إن في الحلقة لوفاء.
ثم إن سلكان شام يده في فود [2] رأسه، ثم شمّ يده، وقال: ما رأيت كالليلة طيب عطر قطّ، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى إذا اطمأن عاد لمثلها، فأخذ بفودي رأسه، ثم قال: اضربوا عدوّ الله فاختلفت عليه
(1) أي السلاح.
(2) الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن، وفود الرأس جانباه، والجمع أفواد (قاله ابن منظور في لسان العرب) .