لما له فضل علينا، ولو امتنعنا كان له منه النّصف، فأطيعوني فيما آمركم به، فإنه عز الدهر وذهاب ذل العمر، واقبلوا رأي. وقد أحمس جديسا قولها، وقالوا: نطيعك، ولكن القوم أكثر منا عددا وأقوى.
قال: فإني أصنع للملك طعاما، ثم أدعوهم إليه، فإذا جاءوا يرفلون في حللهم متفضّلين مشينا إليهم بالسيوف فقتلناهم، فأنفرد أنا بعمليق، وينفرد كل واحد بجليسه، فاجتمع رأيهم على ذلك.
وإن الأسود اتخذ طعاما كثيرا، وأمر القوم فاخترطوا سيوفهم، ودفنوها في الرمل تحتهم، ودعا القوم فجاءوا يرفلون في الحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم فشدّ الأسود على عمليق، وكل رجل على جليسه حتى أناموهم، فلما فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فأفنوهم، فلم يدعوا منهم شطرا، فقال الأسود [1] :
(1) في = الأخبار الطوال = (15) قال: فقال الأسود:
يا ليلة ما ليلة العرس ... جاءت تمشي بدم جميس
يا طسم ما لاقيت من جديس ... إحدى لياليك فهيس هيس
فأبادوا طسما، فلم يفلت منهم إلا رجل يقال له: رياح بن مرة، فإنه مضى على وجهه حتى أتى ذا جيشان، وهو معسكر في جنوده بنجران، فمثل بين يديه، ثم قال:
إنك لم تسمع بيوم ولا ترى ... كيوم أباد الحي طسما به المكر
أتيناهم في أزرنا وفعالنا ... علينا الملاء الحمر والحلل الخضر
فصرنا لحوما بالعراء وطعمة ... تنازعها ذيب الوشيمة والنمر
فدونك قوما ليس لله فيهم ... ولا لهم منه حجاب ولا ستر
فقال الملك: كم بيننا وبينهم؟ قال: ثلاث، فقال من حضره: كذب أيها الملك بيننا وبين القوم عشرون ليلة، فأمر جنوده بالمسير نحو اليمامة، ففي