و أشار ابن الجوزي إلى أن كبار مؤلفي الصوفية كالحارث بن أسد المحاسبي البغدادي (ت 243 ه/857م) ،و أبي نعيم أحمد الصفهاني (ت430 ه/1038م) ،و أبي حامد الغزالي (ت505 ه/1111م) ، جمعوا في مصنفاتهم الأكاذيب و العجائب، و الاعتقادات الباطلة، والكلام المرذول، و ملؤوها بالأحاديث غير الصحيحة و الدقائق القبيحة، و أمروا فيها بأشياء مخالفة للشريعة، و لم يستندوا فيها على أصل، وغنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض، ثم دونوها و سموها علم الباطن [20] .
و انتقدهم في بعض سلوكياتهم داخل الأربطة، فمنها أنهم أخلدوا فيها إلى البطالة،و أراحوا أنفسهم من طلب الرزق و إعادة العلم، و لا صلاة نافلة و لا قيام ليل. و إنما أكثر همهم التظاهر بالمرقعات و طلب الملذات،و سماع الأغاني من المردان،و المبالغة في المأكول و المشروب [21] . ثم قارنهم ابن الجوزي بمتقدميهم، فقال أن أولئك قد لبس عليهم الشيطان بتقليل الطعام،و عدم شرب الماء البارد؛و أما المتأخرون فقد لبس عليهم بكثرة الأكل و رفاهية العيش،و استراح هو من التعب و اشتغل بالتعجب منهم [22] .
و أخذ ابن الجوزي على بعض مشايخ الصوفية الأوائل دعوتهم إلى الجوع و تقليل الطعام،و مجاهدة النفس بترك مباحاتها. و نبه إلى أن اتباع الشرع و ما كان عليه الصحابة أولى من اتباع هؤلاء، و أن النفس مطية، على الإنسان أن يرفق بها ليصل إلى مقصوده، فيعطيها ما يصلحها و يمنعها ما يضرها،و الحسم في حاجة ماسة إلى مختلف أنواع الغذاء [23] . وقوله هذا صحيح لأن الاعتدال في الأكل هو المطلوب، فلا إفراط و لا تفريط، لقوله تعالى: (( كلوا و اشربوا ولا تسرفوا ) )-سورة الأعراف/31 - ،و لأن الجسم يتضرر من كثرة الأكل، كما يتضرر من قلته.و قد روي أن الصوفي أبا محمد بن شكر اليونيني البعلي (ت647 ه/1249م) داوم على خشونة العيش،و كثرة الجوع و المجاهدة ن فحصل له يبس أفسد مزاجه و أورثه تخيلات، فتارة يتخيل أن جماعة تريد اغتياله،و تارة يتوهم أنه اطلع على أماكن فيها كنوز و أموال كثيرة [24] .
و انتقدهم كذلك في تميزهم بلباس الفوط المرقعات و تظاهرهم بها، و هو أمر مكروه و ليس من الشريعة لعدة و جوه، منها: أنهم لبسوها من غير فقر،و لم يلبس السلف الثياب المرقعات إلا ضرورة. و أنهم ادعوا الفقر و قد أمرنا بإظهار نعم الله علينا.و أنهم أظهروا الزهد-الذي قد يورث فيهم الكبر- و المطلوب منهم ستره [25] .و في ذلك يروى أن عالما قال لجماعة من أصحاب المرقعات: (( إخواني إن كان لباسكم موافقا لسرائركم، لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها،و إن كانت مخالفة لسرائركم، فقد هلكتم و رب الكعبة ) ) [26] .و في حرصهم على ارتداء الخرق المرقعات، أشار ابن الجوزي إلى أنهم اختلقوا حديثا في لبسها، له إسناد متصل كله كذب و محال [27] .
و يلاحظ على هؤلاء القوم أنهم بقدر حرصهم على التظاهر بالاهتمام بتطهير النفوس من أمراضها،و ترويضها على الصبر و القناعة بالقليل، فإنهم من جهة أخرى تبدوا عليهم جليا مظاهر الكبر و التعالي، و الاهتمام بالشكليات. فيدعون أنهم أرباب القلوب و البواطن و الوصال، و يزدرون أصحاب العقل و النقل، و يحرصون على التميز عن الناس بلباس صوفي مرقع. أوليس من الأحسن لقلوبهم و أخلاقهم، ستر أحوالهم و عدم التميز عن غيرهم بالمرقعات؟!.
و أشير هنا إلى أن المظاهر السلبية التي ذكرها ابن الجوزي عن الصوفية، قد وجدت قبل زمانه و استمرت إلى ما بعده. فمن ذلك أن حجة الإسلام أبا حامد الغزاليـ505 ه/1111م)، روى أنه لما شاعت دعاوى الصوفية العريضة بين العوام، كالعشق و المشاهدة، وارتفاع الحجاب، و الوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، ترك أناس أعمالهم اليومية و تصوفوا، و أظهروا تلك الدعاوى و استلذوا مناخ البطالة [28] . و روى الفقيه تاج الدين السبكي (ت 771ه/1369م) أن الصوفية في عصره قد كثر عددهم ن واتخذوا الخوانق طريقا للدنيا، فارتدوا لباس الزور،و أكلوا الحشيش-المخدر-،و انهمكوا في طلب الملذات ن حتى قيل فيهم: (( أكلة بطلة سطلة، لا شغل و لا مشغلة ) )،و قيل كذلك: (( نعوذ بالله من العقرب و الفار، ومن الصوفي إذا عرف الدار ) ) [29] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)