فخلاصة القول في هذين الطريقين المرسلين أنَّ الحديث ضعيف بمجموعهما، وقد ينازع البعض في تحسين الحديث بِهذين الطريقين، فنقول: لو صحَّ الحديث بمجموع هذين الطريقين، فليس فيهما ما يفيد إثبات أنَّ حسانًا كان جبانًا، بل ليس فيهما إلا أنَّ صفية أرادت من حسان أن يقتل رجلًا يهوديًا يجلس على باب الحِصن، فأبى حسان أن يقتله، ولم نعرف سبب امتناعه، فقتلته صفية، وأرادت من حسان أن يسلبه فأبى أيضًا، إلى هنا انتهى ما في الطريقين المرسلين، فتناقل هذه القصة الكذابون والمجاهيل فأضافوا وغَيَّروا فيها، ليثبتوا هذه التهمة لهذا الصحابي الجليل، فواغوثاه بالله.
ثانيًا: أقوال المؤرخين والْمُترجِمِين الذين وصفوه بالْجُبن:
إنَّ ما تناقله المؤرخون في وصف حسان بن ثابت بِهذه الصفة، ليس عليه دليل كما تقدم ذكره، ولكني أتعجب من تتابعهم على ذكر ذلك، وإليك بعض أقوالهم:
قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: [حسان بن ثابت كان لسنا شجاعًا، فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا شهده] ( [16] )
وقال ابن سعد: [ولم يشهد مع النبي مشهدًا، وكان يجبن] ( [17] )
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: [وقد كان حسان يجبن في آخر عمره] ( [18] )
وقال ابن قتيبة الدينوري: [لم يشهد مع النبي مشهدًا، لأنه كان جبانا] ( [19] )
قلتُ: وهذا كلامٌ ساقطٌ، وافتراء على هذا الصحابي، ولا يوجد عليه دليل صحيح، وقد تتابع المؤرخون على نقل هذا الكلام، فواغوثاه بالله.
خاتمة البحث
1 -لم يصح حديثٌ في إثبات أنَّ حسان بن ثابت كان جبانًا.
2 -لو نازع أحدٌ في إثبات القصة التي حدثت بين حسان وصفية - وذلك بمجموع الطريقين عن عروة بن الزبير وعباد بن عبد الله، فنقول: إنَّ مجموع الطريقين يدلّ على امتناع حسان مِن قتل اليهودي فقط، وليس فيهما بيان سبب امتناعه، فلا يصح أنْ نحملَ ذلك على الجبن.
3 -ما تناقله المؤرخون وأهل السير من وصف حسان بالجبن، هو اعتمادًا على ما ذكروه من الروايات الباطلة والمنكرة.
4 -لو كان حسان جبانًا كما يقولون لهجاه الشعراء بذلك، فإنه قد هجا قومًا فلم يهجه أحدٌ منهم بالجبن.
قال الإمام أبو العباس المبرد: [وحُدِّثْتُ أنَّ الأصمعيَّ قال: الدليلُ على أنَّ حَسَّانًا لم يكن جبانًا مِن الأصل أنّه كان يُهاجي خَلْقًا فلم يعيره أحدٌ منهم] ( [20] ) .انتهى.
5 -ما تناقله المؤرخون أنّ حسانًا لم يشهد مع النبي مشهدًا، فهذه دعوى لم يقم عليها دليل صحيح، ولا يجوز حمل ذلك - لو صحّت- على الْجُبن، لبطلان الأدلة على ذلك كما قدمنا، وأيضًا لو تخلّف حسان عن المشاهد جُبنًا لَحَدَثَ معه مثل ما حدث مع الثلاثة الذي خُلِّفوا في غزوة تبوك.
ولو صحَّت دعواهم في عدم شهوده المشاهد، فذلك لأنَّ حسانًا حينما دخل في الإسلام كان عمره (60سنة) ، فكان رجلًا كبيرًا.
6 -وأخيرًا أنصح إخواني بأنْ يبدؤوا بقراءة كُتُب السير والتواريخ التي تحتوي على الصحيح فقط، أما الكتب التي اشتملت على الصحيح والضعيف - دون تمييز بينها-، والذي لا يستطيع أن يُميز بينهما إلا أهل العلم، فهذه الكتب لا تصلح إلا للمتخصصين من أهل العلم.
ـــــــــــ
( [1] ) ساقط من النسخة المطبوعة، والسياق يقتضيها.
( [2] ) "سير أعلام النبلاء" (8/ 517) .
( [3] ) "تاريخ بغداد" (11/ 419 - ط. دار الغرب الإسلامي) .
( [4] ) "الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم (5/ 178/833) .
( [5] ) "تقريب التهذيب" (4752 - ط. دار ابن رجب) .
( [6] ) ذكره الحافظ في"تَهذيب التهذيب" (2/ 92) ، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
( [7] ) "تقريب التهذيب" (5815 - ط. دار ابن رجب) .
( [8] ) "المطالب العالية" (16/ 593) .
( [9] ) في المطبوع:"أم جعفر"، والتصويب من مصادر التخريج.
( [10] ) في المطبوع:"أم فروة"، والتصويب من مصادر التخريج.
( [11] ) "تقريب التهذيب" (6686 - ط. دار ابن رجب) .
( [12] ) "تاريخ بغداد" (11/ 419 - ط. دار الغرب الإسلامي) .
( [13] ) "الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم (5/ 178/833) .
( [14] ) "تقريب التهذيب" (4752 - ط. دار ابن رجب) .
( [15] ) "تَهذيب التهذيب" (9/ 363 - 368) .
( [16] ) "تاريخ دمشق" (12/ 433) .
( [17] ) "الطبقات الكبرى" (4/ 322) .
( [18] ) "تاريخ دمشق" (12/ 429) .
( [19] ) "الشعر والشعراء" (1/ 305 - ط. دار المعارف) .
( [20] ) "الفاضل"لأبي العباس المبرد (ص13 - ط. دار الكتب المصرية) .
ـ [أبومالك المصرى] ــــــــ [25 - 06 - 10, 03:23 ص] ـ
جزاك الله خيرا أخى الكريم
ـ [أحمد الأقطش] ــــــــ [25 - 06 - 10, 12:05 م] ـ
ما شاء الله .. جزاك الله خيرًا على ما علَّمْتناه
ـ [أبو سليمان الجندى الأثرى] ــــــــ [25 - 06 - 10, 04:40 م] ـ
بارك الله فيكم , يا أخى الحبيب , جعلك الله من الذابين عن عرض أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم ...
و يكفى ردًا عليهم , أنه لو كان جبانًا , لهجاه الشعاراء كما قلت أنت , بارك الله فيك