ومن المعلوم أن هذا من المنكراتِ المُحرَّمةِ بالعلم الضروريِّ من دينِ المسلمينَ، فإن العقاب لا يجوزُ أن يكون إلا على ترك واجبٍ أو فعل مُحرَّم، ولا يجوزُ إكراهُ أحدٍ إلا على ذلك، والإيجابُ والتحريمُ ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعلٍ أو تركٍ بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك دينًا فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا، أو بمنزلة المرتدِّين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: ? أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ? [الشورى: 21] .
وإذا كان كذلك فقولُ القائل: المطلوبُ من فلانٍ أن يعتقدَ كذا وكذا، وأن لا يتعرَّض لكذا وكذا، إيجابٌ عليه لهذا الاعتقاد وتحريمٌ عليه لهذا الفعل، وإذا كانوا لا يرون خروجَهُ من السِّجنِ إلا بالموافقةِ على ذلك فقد استحلُّوا عقوبَتَهُ وحبسَهُ حتى يطيعَهُم في ذلك، فإذا لم يكن ما أمرُوا به قد أمر الله به ورسولُه، وما نهَوا عنه قد نهى الله عنه ورسولُه، كانُوا بمنزلةِ من ذُكِر من الخوارج والروافض والجهمية المشابهين للمشركينَ والمرتدينَ، ومعلوم أن هذا الذي قالُوه لا يوجدُ في كلامِ الله ورسولِهِ بحالٍ، وهم أيضًا لم يبيَّنُوا أنه يوجدُ في كلام الله ورسوله، فلو كان هذا موجودًا في كلام الله ورسوله لكان عليهم بيان ذلك لأن العقوبات لا تجوزُ إلا بعد إقامة الحجة كما قال تعالى: ? وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا ? [الإسراء: 15] فإذا لم يقيموا حجة الله التي يعاقبُ من خالفها بل لا يوجد ما ذكروه في حجة الله، وقد نَهوا عن تبليغ حجة الله ورسوله، كان هذا من أعظم الأمور مماثلة لما ذكر من حال الخوارج المارقين المضاهين للمشركين والمرتدين والمنافقين" (9) ."
2 -المثال الثاني: في كلام الآمدي في أن أخبار الآحاد لا يحتج بها في التكفير:
وممن خرم هذه القاعدةَ أيضًا: أبو الحسنِ الآمديُّ، وتبعه عضد الدين الإيجيُّ، ذلك أنَّهُ ذكر في صددِ مناقشته لمن كفَّرَ المعتزلة قوله صلى الله عليه وسلم:"القدرية مجوس هذه الأمة"، وأجاب عنه بأنه خبرُ واحدٍ لا يُثبتُ التكفيرَ، وذكر أيضًا حديثًا آخر وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قال القرآن مخلوق فهو كافر"، وأجاب عنه بنفسِ الجواب، وكذلك ذكرَ في حُجَّةِ من كفَّر الرَّافِضَةَ قولَه:"من قال لأخيه يا كافرُ فقد باء به أحدُهما"، وأجاب عنه بنفسِ الجواب أيضًا (10) .
ووجه نقضه لتلك القاعدة، أنه إن كان التكفيرُ حكمًا شرعيًا، ومسألةً فقهيَّةً، فلماذا لا يعتدُّ فيها بأخبار الآحاد؟!
وحقيقة الأمر أن هؤلاء المتكلمين لَمَّا رسخ في نفوسهم بغض أخبار الآحاد والنفرة منها، صارت هذه الكلمة:"خبر آحاد لا يحتج به"تخرج منهم بسبب وبدون سبب!
والعجيب أنه نقل ثلاثة أحاديث الثالث منها في الصحيحين وغيرهما، والأول في السنن، والثاني حديث موضوع (11) ، ثم أجاب عن الجميع بجواب واحد! (12)
والأعجب من هذا أن الإيجيَّ مع أنه متابعٌ للآمديِّ في كثيرٍ مما ذكره في مقصدِ التكفيرِ، فإنَّهُ لمَّا ذكرَ هذا الحديث الموضوعَ في حجة من يُكفِّرُ المعتزلة، أضافَ من عنده تصحيح هذا الحديث، فقال:"وفي الحديث الصحيح: من قال القرآن مخلوق فهو كافر" (13) ، ولا أدري من أين جاء بالتصحيح، فلا الآمديُّ الذي تابعَهُ صحَّحهُ، ولا الصنعة صنعته حتى يصحِّحَ ويضعِّفَ من عندِه!
3 -المثال الثالث: كلام السنوسي في أصول الكفر والبدع
وقال الشيخُ أبو عبد الله محمَّدُ بن يوسف السنوسي صاحب الكبرى والوسطى والصغرى وصغرى الصغرى وصغرى صغرى الصغرى!:"أصولُ الكُفرِ والبدع سبعةٌ: الإيجابُ الذاتيُّ: وهو إسنادُ الكائناتِ إلى الله تعالى على سبيلِ التعليل أو الطبعِ من غيرِ اختيار، والتحسين العقلي: وهو كونُ أفعالِ الله تعالى وأحكامِه موقوفةً عقلًا على الأغراضِ وهي جلبُ المصالح ودرءُ المفاسد، والتقليد الرديء: وهو متابعة الغير لأجل الحمية والتعصب من غير طلب للحق، والربط العادي: وهو إثباتُ التلازمِ بين أمرٍ وأمرٍ وجودًا وعدمًا بواسطَةِ التكرُّرِ، والجهل المركب: وهو أن يجهل الحق ويجهل جهله به، والتمسك في عقائد الإيمان"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)