ثانيها: أن الذهبي أورد وصية الرازي لما حضرته الوفاة لتلميذه إبراهيم بن أبي بكر الإصبهاني .. أوردها كاملة، ورواها بالسند؛ فقال: «سمعت وصيته كلها من الكمال عمر بن إلياس بن يونس المراغي: أخبرنا التقي يوسف بن أبي بكر النَّسائي بمصر: أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي قال: سمعت الإمام فخر الدين يوصي تلميذه إبراهيم بن أبي بكر .. فذكرها» (2) .
وثالثها: أن الذهبي لم يعزو النص السابق إلى وصية الرازي ـ وإن كان معناها وبعض عباراتها في الوصية ـ، بل ذكر أنه قالها في آخر عمره؛ فالسقاف كَذَبَ على الذهبي، وقوَّله ما لم يقل.
ورابعها: ليس في كلام الذهبي تَعْمِيَةٌ، بل الاعتراف موجود في الكلام الذي سيسوقه
(1) صحيح شرح العقيدة الواسطية ص 68ـ69.
(2) تاريخ الإسلام للذهبي أحداث 601ـ610هـ ص 220ـ222، وذكرها كاملة ابن أبي أصيبعة ـ وهو قبل الذهبي ـ في عيون الأنباء ص 466 ـ 468.
عن ذم الطرق الكلامية التي أسرف فيها، وأن أقرب الطرق طرق القرآن؛ ولهذا قال الذهبي: «وقد توفي على طريقة حميدة» (3) .
وخامسها: أن كلام الرازي جميل، ومفخرة من مفاخره .. يفخر بها محبُّوه ولا يتألَّمون منها؛ لأنها اعتراف بالحق.
وسادسها: أن معنى هذا الكلام ثابت فيما لا ينكره السقاف من وصية الرازي، وثابت من شعره «نهاية إقدام العقول عقال» ، وهو من شعر الرازي الصحيح.
وسابعها: أن رجوعه ثابت عنه أيضًا بما قاله الإمام أبو عمرو بن الصلاح: حدثني القطب الطُّوغاني مرتين: أنه سمع الفخر الرازي يقول: ليتني لم أشتغل بالكلام .. وبكى» (4) .
وثامنها: هل هذا السقاف أعلم من الذهبي بالتراجم، ومصادر الإفادة عنهم .. أم أننا عالة على أمثاله؟! .. فإن قال بالأولى فقد مَكَّن من نفسه نعوذ بالله من الغرور.
وتاسعها: لا حجة للسقاف في عدم ذكر الذهبي رحمه الله لهذه القصة؛ بدعوى أن ابن السبكي لم يذكرها .. لا حجة له في ذلك؛ لأن الذهبي لم يعزو الجملة إلى الوصية، ولأن ابن السبكي لم يرو الوصية كاملة، بل اعترف بالحذف منها (5) ، ولأن الذهبي شيخ ابن السبكي وأمكن منه في العلم بالرجال .. ومع هذا فلم يختلفا حتى نبحث: أيهما أصح!!.
وعاشرها: أن الإمام الذهبي ـ حسب تكوينه العلمي ـ قد يخطئ، وقد يقصر فكره عن فهم بعض العقليات .. ولكنه لا يكذب لحفظه وإمامته وعدالته، وإجماع العلماء على ذلك .. وهو إجماع عدم علم في حكم العلم بالعدم؛ لأن الحكم في محل محصور.
والحادي عشر: أن السقاف تطاول على الإمام الذهبي وكذَّبه بلا برهان أتى به، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكتبه لكم:
أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري ـ عفا الله عنه ـ
(3) سير أعلام النبلاء 21/ 501.
(4) تاريخ الإسلام /الجزء السابق ص 219.
(5) انظر طبقات الشافعية الكبرى 8/ 92؛ إذْ أورد بعض الوصية ثم قال: «ثم إن سرد وصيته في ذلك إلى أن قال» .
"تباريح 4"
إحالة المحال من دين الله
مما يقشعرُّ منه الجلد قول حسن بن علي السقاف في حق ربنا سبحانه وتعالى: «إن الله تعالى لا داخل العالم، ولا خارجه» .. وقد بنى هذا المحال العقلي، وهذا الجحد لنصوص القرآن الكريم على دعاوى ادعاها على السلف فقوَّلهم ما لم يقولوا، وادعاها على الشرع، وادعاها على العقل، وملخصها:
1ـ أن القول بسوى ما ذكره تشبيه لله بالجسم.
2ـ أن حذيفة رضي الله عنه ـ كما في صحيح مسلم ـ إذا مرَّ بآية فيها تنزيه الله سبَّح.
3ـ أن القول بسوى ما ذكره يقتضي نسبة المكان إلى الله وهذا مخالف للآية الكريمة من سورة الحديد .. ثم جاء الحديث يبين: أنه ليس فوقه شيئ وليس دونه شيئ.
4ـ سوَّغ المحال في القول «لا داخل العالم ولا خارجه» ؛ بأنه غير محال؛ لأن ما ادُّعي أنه محال مبني على قياس الله بالعالم.
5ـ ليس في الشرع داخل عالم، ولا خارجه.
6ـ وَسْوَسَ بهذا المحال بوجود متناقضات معقولة مثل: أتصوره بلا كيف، ونفي الذكورة عن الله سبحانه (1) .
قال أبو عبد الرحمن: ـ ونسأل الله السلامة والعافية ـ ههنا وقفات:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)