قيلَ: إنَّ هذا البيتَ لا يَتَهيَّأُ لأحدٍ أن يُنْشدَهُ ثلاثَ مرات متوالياتٍ دونَ أن يَتَتَعْتَعَ [1] ، لأَنَ اجتماعَ كلماته وقُربَ مخارجِ حروفها، يحدِثانِ ثِقلًا ظاهرًا، مع أَنَّ كلَّ كلمةٍ منه لو أُخذتْ وحدها كانت غيرَ مُستكْرهةٍ ولا ثقيلةٍ.
(3) ويجبُ أنْ يسلمَ التركيبُ من التَّعقيد اللفظيِّ [2] : وهو أنْ يكون الكلامُ خَفيَّ الدلالة على المعنى المراد بسبب تأْخيرِ الكلمات أو تقديمِها عن مواطنِها الأصليةِ أو بالفصل بين الكلمات التي يجبُ أن تتجاورَ ويتَّصِلَ بعضُها ببعضٍ، فإِذا قلتَ:"ما قرأ إِلاَّ واحدًا محمدٌ مع كتابًا أَخيه"
كان هذا الكلامُ غبرَ فصيح لضعْفِ تأليفهِ، إذ أصلهُ"ما قرأ محمدٌ مع أَخيه إلا كتابًا واحدًا، فقُدِّمتُ الصفةُ على الموصوفِ، وفُصل بين المتلازمين، وهما أداةُ الاستثناء والمستثنى، والمضافُ والمضافُ إِليه. ويشبهُ ذلك قول أبى الطَّيب [3] المتنبي [4] :"
أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌ ... وأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ؟ [5]
والوضعُ الصحيحُ أن يقولَ: كيفَ يكونُ آدم أبا البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان؟ يعنى أَنَّه قد جَمعَ ما في الخليقة من الفضل والكمال، فقد فَصَل بين المبتدأ والخبر وهما"أبوك محمد"، وقدَّم الخبر على المبتدأ تقديمًا قد يدعو إلى اللبس في قوله"والثقلان أنت"، على أنه بعد التعسف لم يسلمْ كلامُه من سُخفٍ وهَذَر.
(4) ويجبُ أنْ يسلمَ التركيبُ من التعقيدِ المعنويِّ [6] : وهو أن يَعمدَ المتكلِّم ُ إلى التعبير عن معنًى فيستعمل فيه كلماتٍ في غير معانيها الحقيقية، فيسيء اختيار الكلمات للمعنى الذي يُريده، فيضطرب التعبير ويلتبس الأَمر على السامع. مثال ذلك أن كلمة اللسان تُطلَق أَحيانًا ويُراد بها اللغة،
(1) - تتعتع في الكلام: تردد فيه من حصر أوعى.
(2) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 2) والمعجم الوسيط - (ج 2 / ص 134) وشرح ابن عقيل - (ج 1 / ص 231)
(3) - أبو الطيب المتنبي هو أحمد بن الحسين الشاعر الطائر الصيت، كان من المطلعين على غريب اللغة، وشعره غاية في الجودة، يمتاز بالحكة وضرب الأمثال وشرْح أسرار النفوس، ولد بالكوفة في محلة تسمى كندة سنة 303هـ، وتوفى سنة 354هـ.
(4) - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 26) وشرح المشكل من شعر المتنبي - (ج 1 / ص 12) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 41) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 26)
يقول:كيفُ يكونُ آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان أي أنك جميع الإنس والجن يعني أنك تقوم مقامهما بغنائك وفضلك وهذا كما يروى أن أبا تمام قال لأحمد بن أبي دؤاد لما اعتذر إليه أنت جميع الناس ولا طاقة لي بغض جميع الناس فقال له ما أحسن هذا المعنى فمن أي أخذته قال من قول أبي نواس، وليس لله بمستنكرٍ، أن يجمع العالم في واحد، وفصل أبو الطيب في هذا البيت بين المبتدأ والخبر بجملة من مبتدأ وخبر
(5) - الثقلان: الإنس والجن، البيت من قصيدة طويلة في مدح شجاع بن محمد الطائي.
(6) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 2) والمعجم الوسيط - (ج 2 / ص 134)