والذوقُ السليمُ هو العُمْدةُ في معرفةِ حُسنِ الكلمات وسَلاسَتِها، وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه؛ لأنَّ الأَلفاظَ أصواتٌ ، فالذي يطْرَبُ لصوْت البُلبُل، وينْفِر من أصوات البُوم والغِرْبان، ينْبُو سمعُه عن الكلمة إذا كانت غريبةً مُتَنَافِرَةَ الحروف [1] . ألا ترى أن كلمتَي"المُزْنةِ" [2] و"الدِّيمةِ" [3] للسَّحابة المُمْطِرة، كلتاهما سَهلَة عذْبَةٌ يسكنُ إليها السمعُ، بخلاف كلمة"البُعَاقِ"التي في معناهما؛ فإنها قبيحةٌ تَصُكُّ الآذانَ. وأمثال ذلك كثير في مُفْردات اللغة تستطيع أَن تُدْركه بذَوْقكَ.
(1) ويشترطُ في فصاحةِ التركيب:- فوْقَ جريان كلماته على القياس الصحيح وسهولتِها -أنْ يسلمَ من ضَعفِ التأْليفِ، وهو خروج ُالكلام عن قواعد اللغة المطردة كرجوع الضميرِ على متأخر لفظًا ورتبةً في قول سيدنا حَسانَ [4] رضي الله عنه [5] :
ولو أّنَّ مَجدًا أخْلَدَ الدهْر واحِدًا ... مِنَ النَّاسِ أبْقى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطعِما [6]
فإنَّ الضميرَ في"مَجده"راجع إلى"مُطعِما"وهو متأَخرٌ في اللفظ كما ترى، وفي الرتبة لأَنه مفعول به، فالبيت غير فصيح.
(2) ويشترطُ أنْ يسلمَ التركيبُ من تنافر الكلماتِ [7] : فلا يكونُ اتِّصالُ بعضها ببعضٍ مما يُسبِّب ثِقَلَها على السمع، وصُعوبةَ أدائها باللسان، كقول الشاعر [8] :
وقبرُ حربٍ بمكانٍ قَفِر ... وليسَ قربَ قبْرِ حربٍ قبرُ [9]
(1) -تنافر الحروف: وصف في الكلمة يوجب ثقلها على السمع وصعوبة أدائها باللسان ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة سوى الذوق السليم المكتسب بالنظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم. تاج العروس - (ج 1 / ص 10) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1) والمزهر - (ج 1 / ص 59) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 349)
(2) - تاج العروس - (ج 1 / ص 8176) ولسان العرب - (ج 13 / ص 406)
(3) - انظر النهاية في غريب الأثر - (ج 2 / ص 369) وتاج العروس - (ج 1 / ص 687) ولسان العرب - (ج 1 / ص 543)
(4) -هو شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجمعت العرب عل أنه أشعر أهل المدر، قيل إنه عاش 120 سنة، 60 في الجاهلية و 60 في الإسلام، وتوفى سنة 54هـ.انظر الشعر والشعراء - (ج 1 / ص 60)
(5) - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب - (ج 1 / ص 185) وجامع الدروس العربية للغلايينى - (ج 1 / ص 149) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 2) .
(6) -هو مطعم بن عدي أحد رؤساء المشركين، وكان يذب عن الني صلى الله عليه وسلم.
ومعنى البِيت أنه لو كان مجد الإنسان أو شرفه سببًا لطول حياته وخلوده في هذه الدنيا، لكان مطعم بن عدى أولى الناس بالخلود، لأَنه حاز من المجد السؤدد ما لم يجزه غيره.
(7) - صبح الأعشى - (ج 1 / ص 293) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 21)
(8) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 37) ومحاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 104) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 33) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 105) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 2 / ص 39) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 294) والبيان والتبيين - (ج 1 / ص 20)
(9) - البيت من الرجز، ولا يعرف قائله، ولعله مصنوع.