الصفحة 13 من 253

وَنَعَى علماءُ الأَدب على البُحْتُرى [1] أن يبدأَ قَصيدةً يُنشدها أَمام ممدوحه بقوله [2] :

لَكَ الْوَيْلُ مِنْ لَيْلٍ تقاصَرَ آخِرُه"ووشكٌ نوى حيٌّ تزمُّ أباعرهُ"

وعابوا عن المتنبي قولَهُ في رثاء أمِّ سيف [3] الدولة [4] :

صَلاةُ الله خالِقِنا حَنُوطٌ على الوَجْهِ المُكَفَّنِ بالجَمَالِ [5]

قال ابْنُ وَكِيع [6] : إِن وصفَه أُمّ الملك بجمالِ الوجه غير مختار:

وفي الحقِّ أَنَّ المتنبي كان جريئًا في مخاطبةِ الملوك، ولعلَّ لعظمِ نفسهِ وعَبْقَريَّته شأْنًا في هذا الشذوذ.

إذنْ لابدَّ للبليغ أولا من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه، وهذه يجب أَن تكون صادقةً ذاتَ قيمةٍ وقوة ،يظهر فيها أَثر الابتكار وسلامةِ النظر ودقة الذوق في تنسيق المعاني وحسن ترتيبها، فإذا تم له ذلك عَمدَ إِلى الأَلفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة، فأَلف بينها تأْليفًا يكسبها جمالًا وقوّة، فالبلاغةُ ليست في اللفظ وحدَه، وليستْ في المعنى وحدَه، ولكنها أثرٌ لازمٌ لسلامةِ تأْليفِ هذين وحُسْن انسجامِهما.

أنواعُ الأساليبِ

*-تعريفُ الأسلوب:

هو المعنَى المَصُوغُ في ألفاظ مؤَلفة على صورة تكونُ أَقربَ لنَيْل الغرض المقصود من الكلام وأفعل في نفوس سامعيه، وأَنواع الأساليب ثلاثة:

(1) الأُسلوبُ العلميُّ [7]

(1) - البحتري شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية، سئل أبو العلاء المعري: من أشعر الثلاثة، أبو تمام أم البحتري أَم المتنبي؟ فقال: أبو تمام والمتنبي حكيمان، وإنما الشعر البحتري. وكانت ولادته بمنبج - وهي بلدة قديمة بين حلب والفرات - وتوفي بها سنة 284 هـ

(2) - محاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 84) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 64) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 306)

(3) - سيف الدولة: هو أبو الحسن على بن عبد الله بن حمدان، كان ملكًا على حلب، وكان أدبيًا شاعرًا مجيدًا محبًا لجيد الشعر شديد الاعتزاز له؛ قيل لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشعراء، وقد انقطع المتنبي إليه وخصه بمدائحه. وكانت ولادته سنة 303 هـ وهي سنة ولادة المتنبي، ووفاته سنة 356 هـ بعد مقتل المتنبي بسنتين.

(4) - الوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 42) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 162) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 39)

فقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عباد: استعارة حدادٍ في عرس، فإن كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظلم وتعسف، وإن كان أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كل زلة، ويعفى على كل إساءة

(5) - الصلاة: الرحمة، والحنوط: طيب يخلط للميت. يدعو لها بأن تكون رحمة الله لها بمنزلة الحنوط للميت.

(6) - ابن وكيع: شاعر مجيد، أصله من بغداد، ولد في تنيس بمصر وتوفى بها سنة 393هـ وله ديوان شعر.

(7) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت