ثم توجه في الفقرة الثانية إِلى مكان الحميَّةِ فيهم، ومثار العزيمة والنخوة من نفسه كل عربي كريم، أَلا وهو المرأَة، فإِنَّ العربَ تبذل أَرواحها رخيصةً في الذود عنها، والدفاع عن خِدْرها. فقال: إِنهم استباحوا حِماها، وانصرفوا آمِنين.
وفي الفقرة الثالثة أظهر الدَّهَشَ والحَيْرَة من تمسك أعدائه بالباطل ومناصرته، وفشلِ قومه عن الحق وخِذْلانه. ثم بلغ الغيظ منه مبلغه فَعيَّرهم بالجُبن والخَوَر.
هذا مثال من أَمثلة الأُسلوب الخطابي نكتفي به في هذه العُجَالة [1] ، ونرجو أَن نكونَ قد وُفقنا إِلى بيان أَسرار البلاغةِ في الكلام وأَنواع أَساليبه، حتى يكونَ الطالبُ خبيرًا بأَفانين القول، ومواطنِ استعمالها وشرائط تأْديتها، واللهُ الموفق.
التشبيهُ [3]
(1) قلت: كان عليه أن يأتي بخطبة ثابتة صحيحة ليكون التمثيل صحيحا وهذه خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما بويع بالخلافة:
"أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي ؛ وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي ؛ الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللّهُ وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللّهُ لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا ضَرَبَهُمْ اللّهُ بِالذّلّ وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلّا عَمّهُمْ اللّهُ بِالْبَلَاءِ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِذَا عَصَيْتُ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ . قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمْ اللّهُ"سيرة ابن هشام - (ج 2 / ص 661) وإسنادها صحيح
(2) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 1) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 68) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 70) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 130) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 10) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 4)
(3) - نقد الشعر - (ج 1 / ص 19) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 94) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 38) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 19) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 136) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 277) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 69) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 148)