الصفحة 18 من 253

مواطنُ الوقف فيه قويةً شافيةً للنفس. ومن خيرِ الأَمثلة لهذا الأُسلوب خطبةُ على بن أَبي طالب [1] رضي الله عنه لمَّا أَغار سُفيانُ بنُ عوفٍ الأَسدِي [2] على الأَنبار [3] وقتل عامله عليها:

"هذا أَخُو غامدٍ قد بَلغتْ خيْله الأَنْبار وقَتلَ حَسَّانَ البَكريّ [4] وأَزال خَيْلَكمْ عنْ مَسَالِحِها [5] وَقَتل مِنْكم رجالًا صالِحِين."وقدْ بَلغني أَنَّ الرَّجُل منهُمْ كان يَدْخُلُ على المْرأَةِ الْمُسْلمَةِ والأُخرى المعاهدة [6] ، فَيَنْزعُ حِجْلَهَا [7] ، وقُلْبَهَا [8] ، ورِعاثَها [9] ، ثم انْصَرفُوا وَافِرِين [10] ما نالَ رجلا منهم كَلمٌ [11] ، ولا أرِيقَ لهم دَمٌ، فلو أَن رجلًا مُسْلمًا مات مِنْ بَعْدِ هذَا أَسَفًا، ما كان به ملُومًا، بلْ كان عِنْدى جديرًا.

"فَواعجَبًا مِنْ جدِّ هؤُلاء في بَاطِلِهمْ، وفَشَلِكُمْ عنْ حقِّكُم. فَقُبْحًا لَكمْ حِين صِرْتُم غَرَضًا يُرْمَى [12] ، يُغار علَيْكمْ ولا تُغِيرُون، وتُغْزَوْن وَلا تغزونَ، ويُعْصى الله وترْضَوْن [13] ". فانظر كيف تدرج ابن أَبى طالب في إِثارة شعور سامعيه حتى وصل إِلى القمَّةِ فإنه أخبرهم بغَزْو الأَنْبار أَولا، ثم بقتل عامله، وأَنَّ ذلك لم يكْف سُفْيان بين عوف فأَغْمد سيوفه في نحور كثيرٍ من رجالهم وأَهليهم.

(1) - على بن أبي طالب: هو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وقد اشتهر ببلاغته وشجاعته، توفى سنة 40 هـ.

(2) - سفيان بن عوف الأسدي: هو أحد بني غامد، وهي قبيلة باليمن، وقد بعثه معاوية رضي الله عنه لشن الغارة على أطراف العراق.

(3) - الأنبار: بلدة على الشالطئ الشرقي للفرات.

(4) - حسان البكرى: هو عامل علي رضي الله عنه على الأنبار.

(5) - المسالح جمع مسلحة بالفتخ: وهي الثغر حيث يخشى طروق العدو.

(6) - المعاهدة: الذمية.

(7) - الحجل: الخلخال.

(8) - القلب بالضم: السوار.

(9) - الرعاث: جمع رعثة، القرط.

(10) - وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم.

(11) - الكَلم بالفتح: الجرح.

(12) - الغرض: ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها.

(13) - يشير بالعصيان إلى ما كان يفعله جيش معاوية من السلب والنهب والقتل في المسلمين والمعاهدين، إن رضا أهل العراق بهذا العصيان فكناية عن قعودهم عن المدافعة، إذ لو غضبوا لهموا إلى القتال.

قلت: هذا الخبر في عيون الأخبار - (ج 1 / ص 223) الجملة الثانية و العقد الفريد - (ج 1 / ص 494) و البيان والتبيين - (ج 1 / ص 136) و الأغاني - (ج 4 / ص 335) بطولها ، وما أسنده سوى صاحب الأغاني ولا يعول عليه لأنه وسخ في ثوبه ووسخ في لسانه ووسخ في عقيدته ، انظر لسان الميزان - (ج 2 / ص 199) وتاريخ بغداد - (ج 5 / ص 200) والبداية والنهاية لابن كثير (ج 12 / ص 473) وتاريخ الإسلام للذهبي - (ج 6 / ص 171)

وهذا الوصف للجيش من السلب والنهب غير صحيح بتاتا، فقد كانوا أتقى لله تعالى من أن يفعلوا ذلك ، ولذا يجب علينا الانتباه لما يرد في كتب الأدب التي تنقل ما هبَّ ودبَّ ، وخاصة على الرعيل الأول ، وقد كذب الكثير على بني أمية من قبل خصومهم ، خاصة الرافضة . انظر كتاب الدولة الأموية للصلابي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت