الصفحة 17 من 253

قدْ ذَهبَ الناسُ وماتَ الكمالْ وصاحَ صَرفُ الدَّهْر أين الرجالْ؟

هذا أبُو العَبَّاس في نَعْشِه قوموا انْظرُوا كيف تَسيرُ الجبالْ

تجدْ أنَّ الأُسلوبَ الأَولَ هادئٌ مطمئنٌ، وأَنَّ الثاني شديدُ المرَّةِ عظيمُ القوَّةِ، وربما كانت نهايةُ قوتهِ في قوله؛"وصاحَ صَرْفُ الدهر أَينَ الرجال"ثم في قوله:"قوموا انظروا كيف تسيرُ الجبال".

وجملةُ القول: أنَّ هذا الأُسلوبَ يجب أنْ يكون جميلًا رائعًا بديعَ الخيالِ، ثم واضحًا قويًّا. ويظنُّ الناشئون في صناعة الأَدب أَنه كلما كثر المجازُ، وكثرتِ التشبيهاتُ والأخيلةُ في هذا الأُسلوب زادَ حسنُه، وهذا خطأٌ بيِّنٌ، فإنه لا يذهبُ بجمال هذا الأسلوبِ أكثر من التكلُّفِ، ولا يُفْسِدُه شرٌّ من تَعمُّدِ الصناعةِ، ونَعْتقدُ أنه لا يُعجبكَ قولُ الشاعر [1] :

فأمطَرَتْ لؤلؤًا من نرْجِسٍ وسقَتْ ... ورْدًا وعضّتْ على العُنّابِ بالبَرَدِ [2]

هذا من السهلِ عليك أَن تَعْرِفَ أَنَّ الشعرَ والنثرَ الفنيَّ هما مَوْطِنا هذا الأسلوب ففيهما يزْدهِرُ وفيهما يبلغُ قُنَّة [3] الفنِّ والجمال.

(3) الأسلوبُ الخطابيُّ [4]

هنا تَبْرُزُ قوةُ المعاني والألفاظِ، وقوةُ الحجَّةِ والبرهانِ، وقوةُ العقل الخصيبِ، وهنا يتحدَّثُ الخطيبُ إلى إرادةِ سامعيه لإثارةِ عزائمهِم واستنهاضِ هممهم، ولجمالِ هذا الأُسلوبِ ووضوحهِ شأْنٌ كبيرٌ في تأْثيره ووصوله إلى قرارة النفوسِ، ومما يزيدُ في تأْثير هذا الأُسلوب منزلةُ الخطيب في نفوسِ سامعيه وقوةُ عارضته، وسطوعُ حجته، ونبَراتُ صوته، وحسنُ إِلقائه، ومُحْكَمُ إِشارته.

ومن أظهرِ مميزاتِ هذا الأُسلوب التكرارُ، واستعمالُ المترادفات، وضربُ الأمثال، واختيارُ الكلمات الجزلة ذات الرنين، ويحسنُ فيه أَنْ تتعاقبَ ضروبُ التعبير من إِخبارٍ إلى استفهام إلى تعجب إلى استنكار، وأَنْ تكونَ

(1) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 127) ومقامات الحريري - (ج 1 / ص 6) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 418)

(2) - العتاب: ثمر أحمر تشبه به الأنامل، والبرد، حب الغمام وتشبه به الأسنان. وهذا البيت وجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة، فإذا أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعًا كاللؤلؤ من عين كالنرجس وسقت خدًا كالورد وعضت على أنامل مخضوبةٍ كالعناب بأسنان كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع.

(3) - قُنَّة بالضم وهي أعلى الجبل -تاج العروس - (ج 1 / ص 32) ولسان العرب - (ج 5 / ص 121)

(4) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت