تُرَى أَلْسُنُ النوْر تُثني علَيْهِ فَتَعْجَبُ منهن خُرْسًا فِصَاحا [1]
وقد يتظاهرُ الأَديبُ بإنكار أسبابِ حقائق العلم، ويتَلمَّسُ لها من خياله أسبابًا تُثبت دَعواهُالأَدبية وتُقوِّي الغرض الذي يَنشدُهُ، فَكَلَفُ البدرِ الذي يَظهرُ في وجهه ليَس ناشئًا عما فيه من جبالٍ وقيعانٍ جافةٍ -كما يقولُ العلماءُ- لأَنَّ المَعرِّى [2] يرى لذلك سببًا آخر فيقول في الرثاء [3] :
وما كلْفةُ البَدْر المُنير قديمةً ولكنها في وجْههِ أثرُ اللَّطم [4]
ولا بدَّ في هذا الأسلوبِ من الوضوحِ والقوةِ؛ فقولُ المتنبي [5] :
قفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهجَتي ... بثانِيةٍ والمُتْلِفُ الشيءَ غارِمُه [6]
غيرُ بليغٍ؛ لأنه يريد أنه نظر إِليها نظرةً أتلفتْ مهجته، فيقول لها:قِفي لأنظركِ نظرة ًأخرى تردُّ إليَّ مهجتي وتُحييها، فإنْ فعلْتِ كانتِ النظرة غرْمَا لِمَا أتلفته النظرةُ الأُولى.
فانظرْ كيف عانينا طويلا في شرح هذا الكلام الموجزِ الذي سبَّبَ ما فيه من حذف وسوءَ تأْليفٍ شِدةَ جفائهْ وبُعْدَه عن الأَذهان، مع أنَّ معناهُ جميل ٌبديعٌ، فكرته مُؤيَّدةٌ بالدليل.
وإِذا أردتَ أن تَعْرف كيف تَظْهرُ القوةُ في هذا الأسلوب، فاقرأ قول المتنبي في الرثاء [7] :
مَا كُنْتُ آملُ قَبلَ نَعْشك أن أرى رضْوَى على أيْدى الرجالِ يَسيرُ [8]
ثم اقرأ قول ابن المعتز [9] في عبيد الله بن سليمان بن وهب [10] :
(1) -النور: الزهر.
(2) -المعرى: هو أبو العلاء المعرى اللغوى الفيلسوف الشاعر المشهور، ولد بالمعرة وهي بلد صغير بالشام، وعمى من الجدرى وهو في ا لرابعة من عمره، وتوفى بالمعرة سنة 449 هـ.
(3) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 281) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 307) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 128) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 15)
يقصد: أن الحزن على المرثي شمل كثيرًا من مظاهر الكون، فهو لذلك: يدَّعي أن كلفة البدر، وهي ما يظهر على وجهه من كدرة ليست ناشئة عن سبب طبيعي، وإنما هي حادثة من أثر اللطم على فراق المرثي
(4) -الكلفة: حمرة كدرة تعلو الوجه.
(5) - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 79) وشرح المشكل من شعر المتنبي - (ج 1 / ص 46) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 189) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 47)
يقول: لحظتك فأهلت اللحظةُ مُهجتي. فقفى على حتى ألحظك اخرى، فترد على ما أذهب الاولى، وذلك أن لكل نظرة أنظرها تأثيرًا في، فا ... ذا قد عدتُ المهجة الاولى، فعمل الثانية ردُّها، لأن الشيء إذا انتهى في ضد انعكس إلى ضده.
(6) - غرم ما أتلفه: لزمه أداؤه، وتغرم جواب قفى وفاعله الأولى، ومن اللحظ بيان للأولى، ومهجي مفعول تغرم.
(7) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 60) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 42) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 48 / ص 468)
(8) - رضوى: اسم جبل بالمدينة، شبه المرثي به لعظمته وفخامة قدره،
(9) - ابن المعتز: هو عبد الله بن المعتز العباسي، أحد الخلفاء العباسيين، منزلته في الشعر والنثر رفيعة ويشتهر بتشبيهاته الرائعة، وهو أول من كتب في البديع، توفى سنة 296هـ.
(10) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 160)