وزَائِرتي كأَنَّ بها حياءً فلِيْس تَزُورُ إِلاَّ في الظَّلام [1]
بذَلتُ لَها المَطَارف والحَشَايَا فَعَافتها وباتتْ في عظامي [2]
يضيقُ الجلدُ عَنْ نَفسِي وعنها فَتُوسِعُهُ بِأَنواعِ السَّقام [3]
كأَنَّ الصبحَ يطْرُدُها فتجرى مَدَامِعُها بأَربعة سجام
أُراقِبُ وقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ مُرَاقَبَةَ المَشُوق الْمُسْتهَام [4]
ويصْدُقُ وعْدُهَا والصِّدْقُ شرٌّ إِذا أَلْقاكَ في الكُرَب العِظام [5]
أَبِنتَ الدَّهْر عِنْدِي كلُّ بنْتٍ فكيف وصَلتِ أَنتِ مِن الزِّحامِ [6]
والغُيُومُ لا يراها ابنُ الخياط [7] كما يراها العالمُ بخارًا مُترَاكِمًا يَحُولُ إلى ماء إذا صادف في الجوّ طبقة باردة ولكنه يراها [8] :
كأن الغيومَ جُيُوش تَسُومُ منَ العدْل في كلِّ أرضٍ صلاحا [9]
إذا قاتل المحْل فيها الغَمامُ بصوبِ الرِّهام أجَادَ الكفاحا [10]
يُقَرْطِسُ بالطَّلِّ فيه السِّهامَ ويُشرِعُ بالوَبْلِ فيه الرِّماحا [11]
وسلَّ عَليْهِ سُيوفَ البرُوقِ فأثخَنَ بالضرْب فيهِ الجراحا [12]
(1) -الواو واو رب أي رب زائرة لي، يريد بهاء الزائرة الحمى وكانت تأتيه ليلا، يقول: كأنها فتاة ذات حياء؛ فهي نزورني تحت سواد الليل.
(2) -المطارف: جمع مطرف كمكرم وهو رداء من خز، والحشايا: جمع حشية وهي الفراش المحشو، وعافتها: أبتها. يقول هذه الزائرة أي الحمى لا تبيت في الفراش، وإنما تبيت في العظام.
(3) -يقول: جلدي يضيق عن أن يسع أنفاسي ويسعها، فهي تذيب جسمي وتوسع جلدي بما تصيبه به من أنواع السقام.
(4) -يقول إنه يراقب وقت زيارتها خوفًا لا شوقًا.
(5) -يريد بوعدها وقت زيارتها، ويقول إنها صادقة الوعد لأنها لا تتخلف عن ميقاتها، وذلك الصدق شر، لأنها تصدق فيما يضر.
(6) - يريد ببنت الدهر الحمى، وبنات الدهر شدائده، يقول للحمى: عندي كل نوع من أنواع الشدائد، فكيف لم بمنعك ازدحامهن من الوصول إلى؟
(7) -ابن الخياط: شاعر من أهل دمشق، طاف بالبلاد يمتدح الناس، وعظمت شهرته. وله ديوان شعر مشهور، توفى بدمشق سنة 517 هـ.
(8) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 90 / ص 255)
(9) -تسوم من العدل في كل أرض صلاحًا، أي تولى كل أرض صلاحًا بالخصب والنماء.
(10) -المحل: الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، والصواب: نزول المطر، والرهام: جمع رهمة وهي المطر الضعيف الدائم، والكفاح: القتال والمدافعة.
(11) -القرطاس: الغرض أو الهدف، ويقال قرطس الرامي إذا أصاب القرطاس أي الغرض، فهو يقول: إن الغمام يسدد السهام إلى المحل فيقضى عليه، ومعنى يشرع الرماح يسددها، والوبل: المطر الشديد الضخم القطر.
(12) -أثخن بالضرب فيه الجراح: بالغ الجراحة فيه.