هو أهدأُ الأساليب،وأكثرها احتياجًا إِلى المنطق السليمِ والفكر المستقيمِ، وأَبعدُها عن الخيال الشِّعريِّ، لأَنه يخاطب العقلَ، ويناجي الفكر، ويَشرَح الحقائق العلمية التي لا تخلو من غموضٍ وخفاءٍ، وأظهرُ ميزات هذا الأُسلوب الوُضوحُ. ولا بدَّ أن يبدوَ فيه أثرُ القوة والجمالِ، وقوتُه في سطوعِ بيانهِ ورصانةِ حُجَجه، وجَمالهُ في سهولةِ عباراتهِ، وسلامةِ الذوق في اختيار كلماتهِ، وحُسنِ تقريره المعنى في الأَفهام ِمنْ أقرب ِوجوه الكلامِ.
فيجبُ أن يُعنَى فيه باختيار الأَلفاظ الواضحة ِالصريحة في معناها الخالية من الاشتراك، وأن تُؤلّفَ هذه الأَلفاظ في سهولة وجلاءٍ، حتى تكون ثوبًا شَفًّا للمعنَى المقصود، وحتى لا تصْبحَ مثارًا للظنون، ومجالًا للتوجيه والتأْويل.
ويحسنُ التنَحِّي عن المجاز ومُحَسِّناتِ البديع في هذا الأُسلوبِ؛ إَلا ما يجيءُ من ذلك عفوًا ،من غير أن يَمَسَّ أصلًا من أصوله أو ميزةً من ميزاته. أمَّا التشبيه الذي يُقصدُ به تقريبُ الحقائق إِلى الأفهام وتوضيحُها بذكر مماثلها، فهو في هذا الأسلوبِ حسنٌ مقبولٌ.
ولسنا في حاجة إلى أَن نُلقيَ عليك أَمثلةً لهذا النوع، فكتُبُ الدراسة التي بين يديك تجري جميعُها على هذا النحو من الأساليب.
(2) الأُسلوبُ الأَدبيُّ [1]
الجمالُ أبرزُ صِفاته، وأظهرُ مُميِّزاته، ومَنشأُ جماله ما فيه من خيالٍ رائعٍ، وتَصْويرٍ دقيقٍ، وتلمُّسٍ لوجوه الشبهِ البعيدة بين الأشياءَ، وإِلباس المعنويِّ ثوبَ المحسوس، وإِظهارَ المحسوس في صورة المعنويِّ.
فالمتنبي لا يرَى الحُمَّى الراجعةَ -كما يراها الأَطباءُ- أَثرًا لجراثيم تَدْخلُ الجسم، فترفعُ حرارته، وتُسببُ رِعْدة وقُشَعْرِيرةً. حتى إِذا فرغت نوْبَتها تَصبَّبَ الجسم عَرَقًا، ولكنه يُصوِّرها كما تراها في تراها في الأَبيات الآتية [2] :
(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)
(2) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 336) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 35) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 364) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 195) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 110) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 118)
وَزَائِرَتي كَأنّ بهَا حَيَاءً فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظّلامِ
يريد حمى كانت تأتيه ليلا يقول كأنها حيية إذ كانت لا تزورني إلا في ظلام الليل
بَذَلْتُ لهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظامي
يقول هذه الزائرة يعني الحمى لا تبيت في الفراش وإنما تبيت في عظامي
يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسي وَعَنها فَتُوسِعُهُ بِأنْوَاعِ السّقَامِ
يقول جلدي لا يسعها ولا يسع أنفاسي الصعداء والحمى تذهب لحمى وتوسع جلدي بما تورده عليّ من أنواع السقام
إذا ما فارقتني غسلتني ... كانا عاكفان على حرامِ
يريد أنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالإجتماع على الحلال كالاجتماع على الحرام في وجوب الغسل
كأنّ الصّبْحَ يَطرُدُها فتَجرِي مَدامِعُهَا بأرْبَعَةٍ سِجَامِ
يعني أنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطردها وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق يريد كثرة الرحضاء والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة لحاظين ومؤقين للعينين ولم يعرف ابن جنى هذا فقال أراد الغروب وهي مجاري الدمع والغروب لا تنحصر بأربعة سجام فحذف المضاف
أُرَاقِبُ وَقْتَهَا مِنْ غَيرِ شَوْقٍ ...مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
وذلك أن المريض يجزع لورود الحمى فهو يراقب وقتها خوفا لا شوقا
وَيَصْدُقُ وَعْدُهَا وَالصّدْقُ شرٌّ إذا ألْقَاكَ في الكُرَبِ العِظامِ
يريد أنها صادقة الوعد في الورود وذلك الصدق شر من الكذب لأنه صدق يضر ولا ينفع كمن أوعد ثم صدق في وعيده
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ
يريد ببنت الدهر الحمى وبنات الدهر شدائده يقول يا حماي عندي كل شديدة فكيف وصلت إليّ وقد تزاحمت عليّ الشدائد ألم يمنعك زحامها من الوصول إليّ وهذا من قول الآخر، أتيت فؤادها أشكو إليه، فلم أخلص إليه من الزحام،
جَرَحْتِ مُجَرَّحًا لم يَبقَ فيهِ مَكانٌ للسّيُوفِ وَلا السّهَامِ
ألا يا لَيتَ شِعرَ يَدي أتُمْسِي تَصَرَّفُ في عِنَانٍ أوْ زِمَامِ
يقول ليت يدي علمت هل تتصرف بعد هذا في عنان الفرس أو زمام الناقة والمعنى ليتني علمت هل أصح فأسافر على الخيل والإبل
وَهَلْ أرْمي هَوَايَ بِرَاقِصَاتٍ مُحَلاّةِ المَقَاوِدِ باللُّغَامِ
يريد بالراقصات أبلا تسير للرقص وهو ضرب من الخبب يقول وهل أقصد ما أهواه من مطالبي ومقاصدي بإبلٍ تسير الرقص وقد حليت مقاودها وأزمنتها كما قال منصور النمري، من كل سمح الخطا وكل يعملةٍ، خرطومها باللغام الجعدِ ملتفعِ،
فَرُبَّتمَا شَفَيْتُ غَليلَ صَدْرِي بسَيرٍ أوْ قَنَاةٍ أوْ حُسَامِ
يريد حين كان صحيحا يسافر ويقاتل فيشفي غليله بالسير إلى ما يهواه وبالسيف والرمح
وَضَاقَت خُطّةٌ فَخَلَصْتُ مِنها خَلاصَ الخَمرِ من نَسجِ الفِدامِ
يقول ربما ضاق أمر عليَّ فكان خلاصي منه خلاص الخمر من النسج الذي تفدم به أفواه الأباريق لتصفية الخمر
وَفَارقْتُ الحَبيبَ بِلا وَداعٍ وَوَدّعْتُ البِلادَ بِلا سَلامِ
أي وربما فارقت الحبيب بلا وداع يريد أنه قد هرب من أشياء كرهها دفعاتٍ فلم يقدر على توديع الحبيب ولا على أن يسلم على أهل ذلك البلد الذي هرب منه
يَقُولُ ليَ الطّبيبُ أكَلْتَ شَيئًا وَداؤكَ في شَرَابِكَ وَالطّعامِ
أي الطبيب يظن أن سبب دائي الأكل والشرب فيقول كلت كذا وكذا مما يضر
وَمَا في طِبّهِ أنّي جَوَادٌ أضَرَّ بجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
ليس في طب الطبيب أن الذي أضر بجسمي طول لبث وقعودي عن السفر كالفرس الجواد يضر بجسمه طول قيامه على الآري فيصير به جامًا والجمام ضد التعب
تَعَوّدَ أنْ يُغَبِّرَ في السّرَايَا وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ
هذامن صفة الجواد يقول عادته أن يثير الغبار في العساكر ويدخل من هذه الحرب في أخرى والقتام الغبار وأراد بدخول القتام حضور الحرب
فأُمْسِكَ لا يُطالُ لَهُ فيَرْعَى وَلا هُوَ في العَليقِ وَلا اللّجَامِ
أي أمسك هذا الجواد لا يرخى له الطول فيرعى فيه ولا هو في السفر فيعتلف من المخلاة التي تعلق على رأسه وليس و في اللجام وهذا مثل ضربه لنفسه وأنه حليف للفراش ممنوع عن الحركة
فإنْ أمرَضْ فما مرِضَ اصْطِباري وَإنْ أُحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعتزَامي
أي أن مرضت في بدني فإن صبري وعزمي على ما كانا عليه من الصحة
وَإنْ أسْلَمْ فَمَا أبْقَى وَلَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمامِ
وأن أسلم من مرضي لم أبق خالدا ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرضٍ وسببٍ آخر وهذا يقرب من قول طرفة، لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى، لكالطول المرخى وثنياه باليد، ومن قول الاخر، إذا بل من داء به خال أنه، نجا وبه الداء الذي هو قاتله،
تَمَتّعْ مِنْ سُهَادٍ أوْ رُقَادٍ وَلا تَأمُلْ كرًى تحتَ الرِّجَامِ
الرجام القبور المبنية من حجارة واحدها رجم يقول ما دمت حيا فتمتع من حالتي السهاد والنوم فلا ترج النوم في القبر
فإنّ لِثَالِثِ الحَالَينِ مَعْنًى سِوَى مَعنَى انتِباهِكَ وَالمَنَامِ
يريد بثالث الحالين الموت يقول الموت غير اليقظة والرقاد فلا تظنن الموت نوما وقال يمدح كافورا الإخشيدي وأنشده إياها في شوال سنة 347 ولم يلقه بعدها