كَفى بِكَ داءً أنْ نرى الموتَ شافيا ... وحَسْبُ المنايا أَن يَكُنَّ أمانيا [1]
وقوله في مدحه [2] :
وَمَا طَرَبي لمّا رَأيْتُكَ بِدْعَةً لقد كنتُ أرْجُو أنْ أرَاكَ فأطرَبُ
قال الواحِدىُّ [3] : هذا البيتُ يشبهُ الاستهزاءَ فإنه يقول: طَرِبتُ عند رؤيتك كما يطرَبُ الإنسانُ لرؤية المضحكات. قال ابن جنيِّ [4] : لما قرأت على أبي الطيب هذا البيت قلتُ له: مَا زِدتَ على أنْ جعلتَ الرجل قِردًا، فضَحِكَ. ونَرى أن المتنبي كان يغْلي صدرُه حِقدًا على كافور وعلى الأَيام التي ألجأَته إِلى مدحه؛ فكانت تَفرُّمن لسانه كلماتٌ لا يستطيع احتباسها وقديمًا زَلَّ الشعراءُ لمعنى أو كلمة نَفَّرتْ سامعيهم، فأَخرجتْ كلامَهم عن حدِّ البلاغة، فقد حكَوا أن أبا النجم [5] دخل على هشام بن عبد الملك وأنشده [6] :
صَفْراءُ قد كادتْ ولمَّا تَفعلِ ... كأنَّها في الأُفقِ عيْنُ الأحولِ [7]
وكان هشامٌ أَحْولَ فأَمر بحبسِه.
ومدح جرير [8] عبْدَ الملك بْنَ مَرْوان بقصيدةٍ مطلعها [9] :
أتَصحو أم فؤادُك غيرُ صاحٍ ، عشِيَّة َ هَمَّ صَحْبكَ بالرّواحِ
فاستنكر عبدُ الملك هذا الابتداءَ وقال له: بلى فؤادكَ أَنتَ.
(1) - كفى بك: أي كفاك فالباء زائدة، والمنايا جمع منية وهي الموت، والأماني: جمع أمنية وهي الشيء الذي تتمناه؛ يخاطب أبو الطيب نفسه ويقول: كفاك داء رؤيتك الموت شافيًا لك، وكفى المنية أن تكون شيئًا تتمناه.
(2) - تاريخ النقد الأدبي عند العرب - (ج 1 / ص 281) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 331) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 331) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 396)
(3) - الوحدى: مفسر عالم بالأدب، مولده ووفاته بنيسابور، وكتبه البسيط والوسيط والوجيز في التفسير مخطوطة، وشرحه لديوان المتنبي مطبوع توفى سنة 468هـ.
(4) - ابن جني: هو من أئمة النحو والعربية ولد في الموصل وتوفى ببغداد سنة 392 هـ. ومن مؤلفاته الخصائص في اللغة، وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعرى مني.
(5) - أبو النجم: هو الفضل بن قدامة، وهو من رجال الإسلام، والفحول المتقدمين في الطبقة الأولى منهم، وله مع هشام بن عبد الملك أخبار طويلة، وكانت وطاته آخر دولة بني أمية.
(6) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 446)
(7) - قيل هذا البت في وصف الشمس، والأحول: من بحيث حول، وهو ظهور البياض في مؤخر العين، ويكون السواد من قبل الماق:
(8) - جرير هو ابن عطية التميمي، أحد الشعراء الثلاثة المقدمين في دولة بنى أمية، وهم الأخطل، و جرير، والفرزدق، وقد فاق صاحبيه في بعض فنون الشعر، وتوفى سنة 110هـ. وهذا البيت كاملا: أتَصحو أم فؤادك غيرُ صاحٍ ،عشِيَّة َ هَمَّ صَحْبكَ بالرّواحِ
(9) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 319) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 73) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 64) والكشكول - (ج 1 / ص 158) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 31 / ص 149)