الصفحة 11 من 253

نَميره الفياض، ونقدِ الآثار الأدبية والموازنة بينها، وأنْ يكونَ له من الثقةِ بنفسه ما يدفعه إلى الحكمِ بحسن ما يراه حسنًا وبقبْح ما يَعُدُّه قبيحًا.

وليسَ هناك من فرق بين البليغ والرَّسام إِلا أنَّ هذا يتناولُ المسموعَ من الكلام، وذلك يُشاكلُ يين المرْئيِّ من الألوان والأَشكالِ، أمَّا في غير ذلك فهما سواء، فالرَّسامُ إِذا همَّ برسم صورة فكَّر في الألوان الملائمة لها، ثم في تأْليفِ هذه الأَلوان بحيث تخْتَلِبُ الأَبصار وتُثير الوجدان، والبليغُ إِذا أَراد أَن يُنْشىءَ قصيدةً أَو مقالةً أو خطبةً فكَّر في أَجزائِها، ثم دعا إِليه من الأَلفاظ والأَساليب أَخفَّها على السمع، وأكثرها اتصالا بموضوعهِ. ثم أَقواها أثرًا في نفوس سامعيه وأروعَها جمالًا.

فعناصرُ البلاغة إذًا لفظٌ ومعنًى وتأليفٌ للأَلفاظ يَمْنَحُها قُوةً وتأْثيرًا وحُسْنًا. ثم دقةٌ في اختيار الكلمات والأََساليب على حسب مواطن الكلامِ ومواقعه وموضوعاته، وحال السامعين والنَّزْعةِ النفسية التي تَتَملَّكهم وتُسَيْطِرُ على نفسوسهم، فَرُبََّ كلمةٍ حسُنتْ في موطنٍ ثم كانتْ نابيةً مُسْتكْرَهةً في غيره. وقديمًا كرِه الأُدباء كلمة"أَيضًا"وعَدُّوها من أَلفاظ العلماء فلم تَجر بها أقلامهم في شعر أَو نثر حتى ظَهَرَ بينهم من قال [1] :

رُبَّ ورْقَاءَ هَتُوفٍ في الضُّحا ... ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ [2]

ذَكَرَتْ إلفًا ودهْرًا سَالِفًا ... فَبَكَتْ حُزنًا فَهاجتْ حَزَني [3]

فَبكائي رُبَّما أرَّقها ... ... وبُكاها ربَّما أَرَّقَني [4]

ولَقدْ تَشْكو فَمَا أفْهمُها ... .... ... ولقدْ أشكو فَما تَفهمُني

غيْر أنِّي بالجوى أعْرِفُها ... وهْي"أَيضًا"بالجوَى تعْرفُني [5]

فوَضع"أيضًا"في مكانٍ لا يتَطلب سواها ولا يتَقَبَّل غيرها، وكان لها من الرَّوْعة والحُسنِ في نفس الأديب ما يعْجِزُ عنها البيانُ.

ورُبَّ كلامٍ كان في نفسه حسنًا خلَّابًا حتى إِذا جاء في غير مكانه، وسقَطَ في غير مسقَطِه، خرج عن حدِّ البلاغةِ، وكان غَرضًا لسهامِ الناقدينَ.

ومن أمثلة ذلك قولُ المتنبي لكافور الإخشيدى [6] في أَول قصيدة مدحه بها [7] :

(1) - الكشكول - (ج 1 / ص 293) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 2 / ص 243)

(2) - الورقاء: الحمامة في لونها بياض إِلى سواد. والهتوى: كثيرة الصياح. والشجو: الهم والحزن. والصدح: رفع الصوت بالغناء، والفتن: الغصن.

(3) - الإلف: الأليف.

(4) - الأرق: السهر، وأرقها: أسهرها.

(5) - الجوى: الحرقة وشدة الوجد.

(6) - كافور الإخشيدي: هو الأمير المشهور صاحب المتنبي، وكان عبدًا اشتراه الإخشيد ملك مصر سنة 32 هـ فنسب إليه وأعتقه، فترقى عنده، وما زالت همته تسمو به حتى ملك مصر سنة 355هـ، وكان مع شجاعته فطنًا ذكيًا حسن السياسة، وتوفى بالقاهرة سنة 357 هـ.

(7) - شرح المشكل من شعر المتنبي - (ج 1 / ص 83)

الفرق بين الباء التي في (بك) وبين التي في قوله تعالى: {.. وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا} (79) سورة النساء ،أن الباء في كفى بالله داخلةٌ على الفاعل. وفي بك داخلة على المفعول، أي كفاك داء. ويجوز أن يكون كفى بدائك داء، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، وداء في كل ذلك نصب على التميز. ومعنى البيت:كفى بما تلقاه من شدة الزمن، وتناهي المكروه، حتى أدى لك إلى تمني الموت، واعتدادك به شافيًا يعظم بذلك مئونة ما يلقاه. ومن العَجَب أن يُلاقي الإنسان بلية، تجعلُ المنية من أجلها أمنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت