الصفحة 10 من 253

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ.. } (4) سورة إبراهيم ، أي ناطقًا بلغة قومه، وهذا استعمالٌ صحيحٌ فصيحٌ، فإذا استعمل إِنسانٌ هذه الكلمة في الجاسوس، وقال:"بثَّ الحاكم ألسنته في المدينة"كان مخطئًا، وكان في كلامه تعقيدٌ معنويٌّ، ومن ذلك قول امرئ القيس [1] في وصْفِ فرَس [2] :

وأَرْكَبُ في الرَّوْع خَيفانةً ... كَسا وجْهَهَا سَعفٌ مُنتشر [3]

الخيْفانةُ في الأصل الجرادةِ، ويريدُ بها هنا الفرس الخفيفة، وهذا لا بأْس به وإِن كان تشبيهُ الفرس بالجرادة لا يخلو من ضعفٍ، أمَّا وصفُ هذه الفرس بأنَّ شَعر ناصيتها طويلٌ كَسَعفِ النخل يُغطِّي وجهَها، فغيرُ مقبول؛ لأنَّ المعروف عند العرب أنَّ شعرَ الناصية إذا غَطَّى العينين لم تكنِ الفرسُ كريمةً ولم تكنْ خفيفةً. ومنَ التعقيدِ المعنويِّ قول أبي تمَّام [4] :

جَذَبتُ نَداهُ غدوة السَّبتِ جذْبةً ... فخرَّ صريعًا بين أيدِي القصائد [5]

فإِنه ما سكتَ حتى جعل كرمَ ممدوحهِ يَخرُّ صريعًا وهذا من أقبح الكلامِ.

*-تعريفُ البلاغةِ:

البلاغةُ:هي تأْديةُ المعنى الجليل واضحًا بعبارة صحيحةٍ فصيحة، لها في النفس أَثرٌ خلابٌ، مع ملاءَمة كلِّ كلام للموطن الذي يُقالُ فيه، والأشخاصِ الذين يُخاطَبون.

فليستِ البلاغةُ قبلَ كل شيءٍ إلا فنًّا من الفنون يَعْتمِدُ على صفاء الاستعداد الفِطريِّ ودقة إدراك الجمالِ، وتبَينِ الفروقِ الخفيَّة بين صنوف الأَساليب، وللمرانةِ يدٌ لا تُجحَدُ في تكوين الذوق الفنِّي، وتنشيطِ المواهب الفاتِرة، ولا بدَّ للطالبِ- إلى جانب ذلك - منْ قراءَة ِطرائف الأَدبِ، و التَّمَلُّؤِ [6] من

(1) - هو رأس شعراه الجاهلية وقائدهم إِلى الافتنان في أبواب الشعر وضروبه، ولد سنة 130 ق هـ، وآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وتوفى سنة 80 ق هـ، وله المعلقة المشهورة.

(2) - شرح أدب الكاتب - (ج 1 / ص 80) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 3) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 90) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 3 / ص 75) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 269) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 10 / ص 407) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5845) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5911) ولسان العرب - (ج 9 / ص 101)

(3) - الروع: الفزع، السعف جمع سعفة: وهي غصن النخل.

(4) - أبو تمام: هو حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور. كان واحد عصره في الغوص وراء المعاني وفصاحة الشعر وكثرة المحفوظ، وتوفى بالموصل سنة 231هـ.

(5) - الندى: الجود. وخمر صريعًا: سقط على الأرض. وانظر سر الفصاحة - (ج 1 / ص 49) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 79)

(6) - ( ملأ ) مَلأَ الشيءَ يَمْلَؤُه مَلأً فهو مَمْلُوءٌ ومَلأَه فامْتَلأَ وتَمَلأَ وإنه لَحَسَنُ المِلأَةِ أَي المَلْءِ لا التَّمَلُّؤِ وإِناءٌ مَلآنُ والأُنثى مَلأَى ومَلآنةٌ والجمع مِلاءٌ تاج العروس - (ج 1 / ص 224) ولسان العرب - (ج 1 / ص 158)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت