الصفحة 208 من 253

... أثرُ عِلمِ المعاني في بَلاغةِ الكلامِ

نستطيع هنا بعد الدراسة السابقة أن نلخص لك مباحث علم المعاني في أمرين اثنين:

الأول: أنه يبين لك وجوب مطابقة الكلام لحال السامعين والمواطن التي يقال فيها، ويُريك أنَّ القول لا يكون بليغًا كيفما كانت صورته حتى يلائم المقام الذي قيل فيه، ويناسب حال السامع الذي أٌلقي عليه، وقديما قال العرب: لكلِّ مقامٍ مقالُ.

فقد يؤكد الخبر أحيانًا كما علمت، وقد يُلقى بغير توكيد، على حسب حال السامع مِنْ جَهْل بمضمون الخبر أو تردد أو إنكار. ومناهضة هذا الأصل بلا داعٍ نُشوزٌ عما رُسم من قواعد البلاغة. انظر إلى قوله تعالى في شأن رُسل عيسى عليه السلام حين بعثهم إلى أهل أنطاكية:

{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) } [يس/13-16] .

فإن الرسل حين أحسٌّوا إنكارهم في المرة الأولى اكتفوا بتأكيد الخبر"بإن". فقالوا: {إنا إليكم مرسلون} فلما تزايد إنكارهم وجحودهم قالوا: { ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} أكدوا بالقسم وإنَّ واللام.

وقد تَخفَى هذه الدقائق على غير أهل اللغة، رُوي أن الكندي [1] ركب إلى أبي العباس المبرِّد [2] وقال له:"إني أجد في كلام العرب حشوًا! [3] "

فقال أبوالعباس:"أين وجدت ذلك؟"فقال:"وجدتهم يقولون عبد الله قائم ثم يقولون"إن عبد الله قائم"ثم يقولون"إن عبد الله لقائم"فالألفاظ مكررة"

(1) - هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق فيلسوف العرب كان معاصرا للمأمون والمعتصم والمتوكل، وله عندهم منزلة سامية، برع في الطب والفلسفة والمنطق وطبائع الأعداد وعلم النجوم، نبغ وليس في المسلمين فيلسوف غيره وحذا في تأليفه حذو أرسطو.

(2) - هو شيخ أهل النحو والعربية، وله التآليف النافعة في الأدب، وكان حسن المحاضرة مليح الأخبار كثير النوادر، وتوفي سنة 285هـ.

(3) - الجنى الداني في حروف المعاني - (ج 1 / ص 21) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 6) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 75)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت