الصفحة 209 من 253

والمعنى واحد"؛ فقال أبو العباس:"بل المعاني مختلفة، فالأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن السؤال، والثالث ردٌ على منكر"."

كذلك يوجب علم المعاني أنْ يخاطب كل إنسان على قدر استعداده في الفهم ونصيبه من اللغة والأدب فلا يجيز أن يخاطب العاميُّ بما يخاطب به الأديب الملمُّ بلغة العرب وأسرارها.

قال بعضهم لبشار بن بُرد:"إنك لتجئ بالشيء الهجين المتفاوت؛ قال:"وما ذاك؟"قال:"بينما تثير النقع وتخلع القلوب بقولك [1] :

إِذا ما غَضِبْنا غَضبةً مُضَريَّةً ... هَتكنا حِجَابَ الشَّمْسِ أَو قَطَرت دَما

إِذا ما أَعَرْنا سَيِّدًا مِن قَبيلة ... ذُرَا مِنبَر صَلَّى عَلَيْنا وسَلَّما

نراك تقولُ:

ربابةُ ربَّه البيْتِ ... ..تصُبُّ الخلَّ في الزيتِ

لَهَا عشرُ دجاجاتٍ ... ... ودِيكٌ حسنُ الصَّوْت

فقال بشار: لكلٍّ وجْهٌ وموضع، فالقول الأول جدٌّ، والثاني قلتُه في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيْض من السوق، وربابة لَهَا عشر دجاجات وديكٌ فهي تجمع لي البيض، فهذا القول عندها أحْسنُ من"قفا نَبك مِنْ ذكرى حبيب ومنْزلِ"عندك! [2]

وكثيرًا ما تجد الشَّاعر يسْهُلُ أحْيانًا ويلين حتى يُشْبه شِعره لغة الخطاب، ويخشُنَ آونة، ويصلُبَ حتى كأنه يقذفك بالجلمد، كلُّ ذلك على حسب موضوعه الذي يقول فيه والطبقة التي يُنشدها شعرَه. ومن خير الأمثلة لهذا النوع أبونواس، فِإنه في خمرياته غيرُه في مدائحه ووصفه.

واعتبر هذا الأصل بما كان من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لما أراد أَن يَكتب إلى مَلك فارس اختار أسهل الألفاظ وأَوضحها فقال:

"بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللّهِ فَإِنّي أَنَا رَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَإِنْ أَبَيْت فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ" [3] .

(1) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 38) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 7) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 265) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 163) وطبقات الشعراء - (ج 1 / ص 4) وتاج العروس - (ج 1 / ص 393)

(2) - الأغاني - (ج 1 / ص 294) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 98)

(3) - زاد المعاد - (ج 3 / ص 600) حياة الصحابة للكاندهلوى - (ج 1 / ص 46) وتاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 30) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 5 / ص 139) وصبح الأعشى - (ج 2 / ص 486) وهو صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت