الصفحة 200 من 253

و طريقه في بيت عنترة التكرار لتقرير المعنى في نفس السامع وتثبيته، ويظهر هذا الغرض في الخطابة و في موطن الفخر و المدح و الإرشاد و الإنذار و قد يكون التكرار لدواع أخرى منها التحسر كما في قول الحسين بن مطير [1] يرثي معن بن رائدة [2] :

فيا قبرَ معنٍ أنت أولُ حُفْرَةٍ ... من الأرض خُطَّتْ للسماحة مَضْجَعا [3]

ويا قبرَ مَعْنٍ كيف واريتَ جودَهُ ... وقد كان منه البَرُّ والبحرُ مُتْرَعَا؟

و منها طولُ الفصل كما في قول الشاعر [4] :

لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمَانونَ أَنَّنِي ... إِذا قُلْتُ أَمَّا بعدُ أَنِّي خَطِيبُها [5]

وطريقه في المثال الخامس الاعتراض، وهو أن يؤتَى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لغَرض يقصد إليه البليغ، فجملة"ألا كذبوا"قد جاءت في بيت النابغة بين اسم أن و خبرها للإسراع إلى التنبيه على كذب من رماه بالكِبَر، قد يكون من أغراض الإعراض الإسراع إلى التنزيه، نحو: إن الله- تبارك و تعالى- لطيف بعباده، وقد يكون للدعاء نحو إني- وقاك اللهُ- مريضٌ.

وطريقه في المثالين السادس والسابع التذييلُ، وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها تأكيدا لها، فإن المعنى في كلا البيتين قدِ تم في الشطر الأول، ثم ذُيِّل بالشطر الثاني للتوكيد. وإذا تأملت التذييل في المثالين وجدتَ بينهما بعض الخلاف. وذلك أن التذييل في المثال الأول مستقل بمعناه لا يتوقف فهمه على فهم ما قبله، ويقال له إنه جار مجرَى المثل. أما في المثال الثاني فهو غير مستقل بمعناه، إذ لا يفهم الغرضُ منه إلا بمعونة ما قبله، و يقال لهذا النوع إنه غير جار مجرَى المثل.

تأمل المثل الأخير تجد أننا لو أسقطنا منه كلمة"ظالمين"، لتوهم السامع أن فرس ابن المعتز كانت بليدة تستحق الضرب،و هذا خلاف المقصود و تسمَّى هذه الزيادة في البيت احتراسا، وكذلك كل زيادة تجيء لدفع ما يوهمه الكلام مما ليس مقصودًا.

القَاعدةُ:

(1) - شاعر عاش في الدولتين الأموية و العباسية، و له مدائح في رجالهما، و كان من أحسن أهل البادية زيًا و كلامًا توفي سنة 169هـ بعد معن زائدة و له رثاء فيه.

(2) - زهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 333) والكشكول - (ج 1 / ص 369) ومعجم الأدباء - (ج 1 / ص 429) وشرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 290) وأمالي القالي - (ج 1 / ص 131)

(3) - خطت للسماحة موضعا: أي اتخذت لتكون موضعا للكرم و الجود.

(4) - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 497) وجمهرة الأمثال - (ج 1 / ص 63) والمستقصى في أمثال العرب - (ج 1 / ص 8) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 111) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 158) وتاج العروس - (ج 1 / ص 573) ولسان العرب - (ج 1 / ص 461)

(5) - اليمانون: المنسوبون إلى اليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت