شدةُ التباعد [1] ، ولذلك يقال في هذا الموضع إنَّ بين الجملتين كمالَ الانقطاع.
انظر إلى المثال الأخير تر أن الجملة الثانية فيه قوية الرابطة بالجملة الأولى، لأنها جواب عن سؤال نشأ من الأولى، فكأن أبا تمام بعد أن نطق بالشطر الأول توهم أن سائلا سأله، كيف لا يحولُ حجاب الأمير بينك وبين تحقيق آمالك؟ فأجاب:"إنَّ السماء ترجى حين تحتَجب"فأنت ترى أن الجملة الثانية مفصولة عن الأولى، ولا سر لهذا الفصل إلا قوة الرابطة بين الجملتين، فإن الجواب شديد الارتباط والاتصال بالسؤال فأشبهت الحالُ هنا من بعض الوجوه حال كمال الاتصال التي تقَدمت، و لذلك يقال إنَّ بين الجملتين شبهَ كمال الاتصال.
القواعدُ:
(62) الوصلُ عَطفُ جُملةٍ عَلَى أخْرَى بالواو، والفصلُ تَرْكُ هذا العطف، ولكلٍّ مِنَ الفَصْلِ والوصلِ مَوَاضِعُ خاصةٌ.
(63) يَجبُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْن في ثَلاَثَةِ مَواضعَ:
(أ) - أَنْ يَكونَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ تَامًّ، وذلك بأنْ تَكونَ الجمْلَةُ الثانيةُ تَوْكِيدًا لِلأولى، أَوْ بَيَانًا لها، أوْ بَدَلًا مِنْهَا، وَيُقَالُ حِينَئِذ إنَّ بَيْنَ الجملَتَين كَمَالَ الاتِّصَال.
(ب) -أنْ يَكونَ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ تَامٌّ، و ذلكَ بأنْ تَخَتلفَا خَبَرًا وإنشاءً، أوْ بألا تَكونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ مَا، وَيُقَالُ حِينَئِذ إن بَيْنَ الجمْلَتَيْن كَمَالَ الاِنْقِطَاع.
(جـ) - أَنْ تَكونَ الثَّانَيةُ جوابا عَنْ سُؤالٍ يُفْهَم مِنَ الأولى، وَيُقَالُ حِينَئِذٍ إِنَّ بَيْنَ الجمْلَتَيْن شِبْهَ كَمَال الاتِّصَال [2] .
(2) مواضِعُ الوصلِ
الأمثلةُ:
(1) قال أَبو العلاء المعري [3] :
وحبُّ العيشِ أعبدَ كلَّ حرٍّ، وعلّمَ ساغبًا أكلَ المُرار [4]
(2) و قال أبو الطيب [5] :
(1) - إنما وجب ترك العطف هنا لأن العطف يكون للجميع بين الشيئين والربط بينهما. ولا يكون ذلك في المعنيين إذا كان بينهما غاية التباين.
(2) - ذهب بعض المتأخرين من علماء المعاني إلى زيادة موضعين للفصل على المواضع التي ذكرناها و لكن هذين الموضعين عند التأمل يمكن ردهما إلى الوضع الثالث.
(3) - ديوان أبي العلاء المعري - (ج 1 / ص 590) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 42 / ص 36)
(4) - الساغب: الجائع، والمرار: شجر مر، يقول: إن حب الحياة يجعل الحر عبدا و يضطر الإنسان إلى احتمال الأذى.
(5) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 338) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 69) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 52) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 210) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 397)