الصفحة 181 من 253

البحثُ:

يقصِد علماء المعاني بكلمة"الوصْل"عطفَ جملة على أخرى"بالواو" [1] كقول الأبيوَرْدى يخاطب الدهر [2] :

فَالعَبْدُ رَيّانُ ِمنْ نُعْمى يَجودُ بِها والحرُّ ملتهبُ الأحشاءِ منْ ظمإِ [3]

و يقصدون بالفصل ترك هذا العطف، كقول المعري [4] :

لا تَطْلُبَنَّ بآلةٍ لَكَ حاجةً ... قَلمُ البليغ بغيْر حظٍّ مِغْزَلُ

هذا ولكل من الفصل والوصل مواطنُ تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام، و سنبدأ لك بمواطن الفصل:

تأمل أَمثلة الطائفة الأولى تجد بين الجملة الأولى والثانية في كل مثال تآلفًا تامًّا، فالجملة الثانية في المثال الأَول، و هي"إذا قُلتُ شِعْرًا أصْبح الدهرُ مُنشِدًا"لم تجئ إلا توكيدًا للأولى، وهي جملة"و ما الدهرُ إلا من رواة قصائدي"فإِن معنى الجملتين واحد. والجملة الثانية في المثال الثاني"بعضٌ لبعض وإِن لم يشعرُوا خدمُ"ما جاءَت إِلا لإِيضاح الأولى"الناسُ للناس من بدوٍ و حاضرة"فهي بيان لها، والجملة الثانية في المثال الثالث جزء من معنى الأولى لأَن تفصيل الآيات بعضٌ من تدبير الأمور، فهي بدل منها، ولا شك أنك لَحَظْتَ أن الجملة الثانية مفصولة عن الأولى في كل مثال من الأمثلة الثلاثة، و لا سر لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام التآلف وكمال الاتحاد [5] . ولذا يقال: إن بين الجملتين كمالَ الاتصال.

تأمل مثالي الطائفة الثانية تجد الأمر على العكس، فإنَّ بين الجملة الأول والثانية في كل مثال منتهَى التباين و غايةَ الابتعاد، فإنهما في المثال الرابع مختلفان خبرًا وإنشاء. و هذا جلي واضح. أما في المثال الخامس فأنه لا مناسبة بينهما مطلقا إذ لا رابطة في المعنى بين قوله:"و إِنما المرءُ بأصغريه"و قوله:"كل امرئ رهن بما لديه"، وهنا تجد الجملة الثانية في كل من المثالين مفصولة عن الأولى، ولا سر لذلك إلا كمالُ التباين و

(1) - إنما قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب على البحث في عطف الجمل"بالواو"دون بقية حروف العطف، لأنها هي الإرادة التي تخفي الحاجة إليها، و يحتاج العطف بها إلى لطف في الفهم و دقة في الإدراك، إذ إنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك أما غيرها من حروف العطف فتفيد معاني زائدة، كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في ثم، وهلم جرا و من أجل ذلك سهل إدراك مواطنها.

(2) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 33 / ص 184)

(3) - الريان: ضد الظمآن ، و النعمى: النعمة.

(4) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 97) والكشكول - (ج 1 / ص 85)

(5) - لأن الجملة الثانية هنا إما أن تكون بمعنى الأولى أو بمنزلة الجزء منها كما رأيت، و هذا يقتضي ترك العطف لأن الشيء لا يعطف على نفسه، و الجزء لا يعطف على كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت