في ذهنه لا يغيب عن باله، فكأنه حاضر معه في مكان واحد. وهذه لطيفة بلاغيَّة تسوغ استعمال الهمزة وأي في نداء البعيد.
انظر إلى الأمثلة الثلاثة الباقية تجد المنادى في كل منها قريبا، ولكن المتكلم استعْمل فيها أحرف النداء الموضوعة للبعيد فما سبب هذا؟
السبب أن المنادى في المثال الثاني جليل القدر خطير الشأن فكأَنَّ بُعد درجته في العِظم بعدٌ في المسافة، ولذلك اختار المتكلم في ندائه الحرف الموضوع لنداء البعيد ليشير إلى هذا الشأن الرفيع. وأما في المثال الثالث فلأنَّ المخاطب في اعتقاد المتكلم وضيع الشأن صغير القدر فكأنَّ بُعد درجته في الانحطاط بعدٌ في المسافة. وأما في المثال الأخير فلأن المخاطب لغفلته و ذهوله كأنه غير حاضر مع المتكلم في مكان واحد.
و قد تخرج ألفاظ النداء عن معناها الأصلي و هو طلب الإِقبال إلى معان أخرى تستفادُ من القرائن، و من هذه المعاني ما يأتي:
(1) الزجر كقول الشاعر [1] :
يا قلب ويْحك ما سمعتَ لنَاصِحٍ ... لَمَّا ارْتَميْتَ ولا اتقَيْتَ ملامًا
(2) التحسر و التوجع ،قال الحُسَين بن مُطَير الأَسَدِي [2] :
فيا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْف وارَيْتَ جُودَهُ ... وقَدْ كانَ مِنْه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرعَا
(3) الإِغراء كقولك لمنْ أقبل يتظلم: يا مظلومُ تكلم.
القواعدُ:
(52) النّداءُ طَلَبُ الإِقْبَال بحَرْفٍ نَائِبٍ منَابَ أَدْعُو.
(53) أدوات النِّدَاءَ ثمان: الْهَمْزَةُ، و"أي"، و"يَا"، و"آ"، و"آي"و"أَيا"، و"هيَا"، و"وا".
(54) الهمزة وأي لنداء القريب، وغيرهما لنداء البعيد.
(55) قد ينزل البعيد منزلة القريب فينادَى بالهمزة و"أي"، إشارةً إلى قُربه من القلب و حضوره في الذهن.
(1) - لم أجده إلا في جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 5) وهذه أمثلة من كتب الأدب:
تراجم شعراء موقع أدب - (ج 11 / ص 242)
يا قلبِ ويحكَ خنتني وفعلتها ، وَحلَلتَ عُقدة َ تَوْبتي، ونَقضْتَها
تراجم شعراء موقع أدب - (ج 86 / ص 358)
يا قلبُ، ويحكَ والمودة ُ ذمّة ٌ ماذا صنَعْت بعهدِ عبدِ الله؟
تراجم شعراء موقع أدب - (ج 91 / ص 185)
يا قلبُ ويحكَ لا تذهبُ بكَ الخرقُ إنَّ الأُلى كُنتَ تهواهُمْ قَد انْطَلَقُوا
تراجم شعراء موقع أدب - (ج 92 / ص 380)
ألا يا قلبُ ويحكَ كُن جليدًا فقدْ رَحَلَتْ وفاتَ بها الذَّميلُ
(2) - خزانة الأدب - (ج 2 / ص 260) والأغاني - (ج 4 / ص 259) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 55) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 160) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 333) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 86)