الصفحة 113 من 253

أثرُ علمِ البيانِ في تأديةِ المعاني

ظهرَ لك من دراسة علمِ البيان: أنَّ معنًَّى واحدًا يستطاع أداؤه بأساليبَ عديدة، وطرائق مختلفةٍ، وأنه قد يوضع في صورة رائعةٍ من صور التشبيه أو الاستعارة،أو المجاز المرسل، أو المجاز العقليِّ، أو الكناية،فقد يصف الشاعر إنسانًا بالكرم،فيقول [1] :

يريدُ الملوكُ مَدى جَعفَر ... ولا يَصنعون كما يَصنعُ

وكيفَ ينالون غاياتِه ... وهم يَجمعون ولا يَجمعُ

وليسَ بأوسعِهم في الغِنى ... ولكن مَعْروفه أوسع

فما خَلْفَه لامرىءٍ مطلبٌ ... ولا لامرىء دونَه مَطمعُ

بَدِيهَتُهُ مثلُ تدبيرِه ... ..إذا أجبتَه فهو مُستجمِعُ

و هذا كلامٌ بليغٌ جدًّا، مع أنه لم يقصد فيه إلى تشبيه أو مجاز، وقد وصف الشاعرُ فيه ممدوحهَ بالكرم، وأنَّ الملوكَ يريدون أن يبلغوا منزلته، ولكنهم لا يشترونَ الحمد بالمال كما يفعلُ، مع أنه ليس بأغنَى منهم، ولا بأكثرَ مالًا.

وقد يعتمدُ الشاعر عند الوصف بالكرمِ إلى أسلوبٍ آخر، فيقولُ المتنبي [2] :

كالبَحْرِ يَقذِفُ للقَريبِ جَواهِرًا جُودًا ويَبْعَثُ للبَعيدِ سَحائِبَا

كالشّمسِ في كَبِدِ السّماءِ وضَوْؤها يَغْشَى البِلادَ مَشارِقًا ومَغارِبَا

فيشبِّهُ الممدوحَ: بالبحر، ويدفعُ بخيالكَ إلى أن يضاهيَ بين الممدوحِ والبحرِ الذي يقذفُ الدرر للقريبِ، ويرسلُ السحائبَ للبعيد، وكذلك يشبهه

(1) - نقد الشعر - (ج 1 / ص 34) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 54) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 134) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 104) والأغاني - (ج 5 / ص 54) والإعجاز والإيجاز - (ج 1 / ص 27)

(2) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 97) و شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 90) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 38) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 69) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 384)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت