الصفحة 112 من 253

بالتعريضِ ،ومثالُه قولُ المتنبي في قصيدة، يمدحُ بها كافورًا ويعرضُ بسيفِ الدولة [1] :

فِراقٌ وَمَنْ فَارَقْتُ غَيرُ مُذَمَّمِ وَأَمٌّ وَمَنْ يَمّمْتُ خيرُ مُيَمَّمِ

وَمَا مَنزِلُ اللّذّاتِ عِندي بمَنْزِلٍ إذا لم أُبَجَّلْ عِنْدَهُ وَأُكَرَّمِ

سَجِيّةُ نَفْسٍ مَا تَزَالُ مُليحَةً منَ الضّيمِ مَرْمِيًّا بها كلّ مَخْرِمِ

رَحَلْتُ فكَمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ عَلَيّ وَكَمْ بَاكٍ بأجْفانِ ضَيْغَمِ

وَمَا رَبّةُ القُرْطِ المَليحِ مَكانُهُ بأجزَعَ مِنْ رَبّ الحُسَامِ المُصَمِّمِ

فَلَوْ كانَ ما بي مِنْ حَبيبٍ مُقَنَّعٍ عَذَرْتُ وَلكنْ من حَبيبٍ مُعَمَّمِ

رَمَى وَاتّقى رَميي وَمن دونِ ما اتّقى هوًى كاسرٌ كفّي وقوْسي وَأسهُمي

إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَقَ مَا يَعتَادُهُ من تَوَهُّمِ

فإنه كنَّى عن سيف الدولة، أولا: بالحبيبِ المعمم، ثم وصفه بالغدرِ الذي يدعي أنه من شيمةِ النساءِ، ثم لامه على مبادهته بالعدوانِ، ثم رماه بالجبنِ لأنه يرمي ويتقي الرمي بالاستتارِ خلف غيره، على أنَّ المتنبي لا يجازيه على الشرِّ بمثله، لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوًى قديمًا، يكسرُ كفه وقوسه، وأسهمه، إذا حاول النضالّ، ثم وصفه بأنه سيءُ الظنِّ بأصدقائهِ لأنه سيءُ الفعل، كثيرُ الأوهام والظنون، حتى ليظنَّ أنَّ الناس جميعًا مثلَه في سوءِ الفعل، وضعفِ الوفاء، فانظر كيف نالَ المتنبي من هذا، ومن أوضح مميزات الكنايةِ التعبيرُ عن القبيح بما تسيغُ الآذانَ سماعُه، وأمثلة ذلك كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وكلام العربِ فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسنُ ذكره إلا بالكنايةِ، وكانوا لشدة نخوتهِِم يكنونَ عن المرأة بالبيضةِ والشاةِ.

ومن بدائع الكنايات قولُ بعض العرب [2] :

أَلاَ يا نَخْلةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللّهِ السّلامُ

فإنه كنَّى بالنخلةِ، عن المرأة التي يحبُّها.

ولعل هذا المقدار كاف في بيان خصائص الكناية وإظهار ما تضمنته من بلاغة وجمال ..

(1) - الواضح في مشكلات شعر المتنبي - (ج 1 / ص 3) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 322) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 275) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 8 / ص 115) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 117) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 132)

(2) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 113) والحلل في شرح أبيات الجمل - (ج 1 / ص 32) وتزيين الأسواق في أخبار العشاق - (ج 1 / ص 26) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 15) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 139) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5355) و لسان العرب - (ج 8 / ص 188)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت