فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)
(فبظلم) الباء للسببية، والتنكير، والتنوين للتعظيم، أي بسبب ظلم عظيم لا بسبب شيء آخر كما زعموا أنها كانت محرمة على من قبلهم (من الذين هادوا) لعل ذكرهم بهذا العنوان للإيذان بكمال ظلمهم بتذكير وقوعه بعدما هادوا أي تابوا ورجعوا عن عبادة العجل (حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم) الطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه في سورة الأنعام (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) الآية.
قال الواحدى: وأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف كان ومتى كان وعلى لسان من حرم فلم أجد فيه شيئًا أنتهي إليه فتركته، قال الخازن: ولقد أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه الآية في غاية الإشكال انتهى.
قلت: ولهذا لم يذكر الرازي والشوكاني في تفسيرهما ما ذكره المفسرون في معنى الظلم المذكور في الآية وذكرا لها تفسيرًا إجماليًا، فكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم الله عليهم نوعًا من الطيبات التي كانت حلالًا لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ويقولون لسنا بأول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على إبراهيم ونوح ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواضع كثيرة وبكتهم بقوله (كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة) الآية قاله أبو السعود.
(وبصدّهم) أنفسهم وغيرهم (عن سبيل الله) وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبتحريفهم وقتلهم الأنبياء وما صدر منهم من الذنوب المعروفة (كثيرًا) أي بصدهم ناسًا كثيرًا أو صدًا كثيرًا أو زمانًا كثيرًا، والأول أولى.