والمشكلة كانت أنّ بعض الناس يظنون أن هذا الجريح أو القتيل لديه مجموعة تتكفَّل به، ولم يدروا أنَّ الناس كانت تمشي فرادى بلا مجموعات، وهناك كانت المشكلة، فالذي سقط سقط، وكان هناك ثلاثة أو أربعة قتلى، وجريح واحد مررت بهم فلم أستطع أن أدعهم.
فطلبت من الإخوة أن يحفروا حفرة لهؤلاء الشهداء، وترجّيتهم رجاء، فلم يعد هناك مجال للأمر ولا أن نفرض على أحد شيئًا، فالناس كانت منهكة جدًا، فجزاهم الله خيرًا سمعوا لي وحفروا.
وكذلك جهزوا حفرة للجريح لأنه كان مصابًا في رأسه وكان يحتضر، والله لقد عمّت رائحة المسك المنطقة، وكانت الناس رغم شدة القصف تأتي إلى هذا الشخص وتشم الرائحة وتُكبّر، وكنت أقول لهم امشوا الآن، ثم استشهد رحمة الله عليه ..
ثمّ نزلنا كلّنا في الوادي وجاءت الطائرات العمودية فرأونا وكشفوا مواقعنا، فصارت كل أربعة تأتي طائرات فتدك الأرض وتحرقها حرقًا، ولم يكن لدينا شيء لنرد عليها، وكانت تنخفض كثيرًا ثم تقصف.
فبدأ القصف وبدأت صواريخ الغراد وصواريخ الموشاك والأورجان تأتي من كلّ مكان، وكنت أقول الآن القتلى سيكونون بالمئات، وكان التفكير عندنا أنّه لو قتل نصف المجاهدين وينجوا النصف أي يقتل 600 وينجوا 600 فإن هذه النسبة مقبولة لدينا، من شدّة الحصار ومن شدّة البلاء الذي حلّ بنا .. !
فبدأ القصف يشتد على المجاهدين، وبدأت أحاول أن أُبيّن هذا الأمر لشامل، ولم تكن هناك إمكانية للاجتماع، وكان أكثر القيادات جرحى ومتعبين، فلم يكن هناك إمكانية للشورى أو النظر في الأمر، وأصبحت الأمور تسير بشكل شبه عشوائي، وكنّا نتحكم فقط في بداية الحركة والوقوف، أمّا من يتحرّك ومن يكون ومن لا يكون فهذه أمور ليست بيدنا، فقد صارت الأمور عشوائية.
أذكر أنه بعد المغرب بعدما بدأت كل المجموعات تتحرَّك باتجاه القرى، إلى قرية (سِلْمِ تَاوْزِينْ) وقرية (دُتْسْ خُوتِي) ؛ بدأ الروس يعدُّون ويحشدون قوات كثيرة جدًا وبدأوا يلغّمون الطريق، وكان بعد هذه القرى يجب أن نعبر نهرًا، وحافّة النهر جُروف قويّة وليس هناك إلّا منفذ أو منفذان أو ثلاثة، فالروس لغَّمُوا كل الطرق ونشروا آلياتهم العسكرية، فكانوا مستعدّين لنا.